الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من هو على حق ؟

صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي

2025 / 5 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


نعيش اليوم في زمنٍ تُسكب فيه المعلومات علينا سيلاً بلا توقف، لا يفصلنا عنها سوى نقرة على شاشة هاتف أو حاسوب، عصر الذكاء الاصطناعي، الذي بات يوصف بـ"المرعب"، لأنه لا يترك شاردة ولا واردة إلا ويجمعها، حتى ظنّ البعض أنه يملك الحقيقة الكاملة.
لكن المأزق الحقيقي لا يكمن في توفر المعلومة، بل في تضاربها. فعندما تبحث عن قضية دينية مثلاً، تجد أمامك طوفانًا من الآراء، كل منها يقدّم نفسه على أنه الحق المطلق، ويصم المخالف بأنه ضال أو تابع للشيطان. لا مجال للنقاش، ولا فسحة للاختلاف، فكل فريق يحتكر طريق الله لنفسه، ويصنّف الآخرين خارج الدائرة.
وفي هذه الفوضى المعرفية، يدخل الإنسان في حلقة مفرغة، تدور حول ذاتها دون مخرج، ما لم يتوقف ليطرح على نفسه سؤالًا جوهريًا: ما هو الحق؟ وما هو الباطل؟ وعلى أي أساس يمكن التمييز بينهما؟ هل المرجع هو الكتب السماوية فقط؟ أم السيرة النبوية؟ أم اجتهادات العلماء؟ وأي علماء؟ هل هم ممثلون للحقيقة أم مجرد بشر يُصيبون ويُخطئون؟
وإذا افترضنا أن رجال الدين هم يعرفون الحق الإلهي، فمن يحق له تفسير هذا الحق؟ وكيف يمكن ضمان أن من يزعم تمثيله لا يخضع لتحيزات سياسية، أو طائفية، أو حتى شخصية؟ وإذا كان الحق لا يتعدد، فلماذا هذا التعدد في الفرق والمذاهب والتيارات؟ وأيّها أقرب للجوهر؟ أم أننا أسرى قوالب دينية تاريخية فصلت على مقاسات السلطة .
عندما تشتعل الحروب، نادرًا ما يعترف أي طرف بأنه يسعى خلف مصالح دنيوية أو أطماع سلطوية. بل الجميع يرفع راية "الحق"، ويعلن أن معركته أخلاقية، مقدسة، بل ومفوضة من عند الله.
تاريخ الحروب الدينية والمذهبية – من الحروب الصليبية، إلى الفتوحات الإسلامية، إلى النزاعات الأهلية الطائفية – يعيد نفسه بنفس السيناريو:
كل طرف يحتكر الحقيقة، ويمنح نفسه صكوك الغفران، بينما يُشيطن الآخر.
ويقول( ابن خلدون)، في مقدمته الشهيرة، حذر من هذه الظاهرة، حين قال: " الدعوة إلى العصبية، إذا كانت باسم الدين، تكون أشدّ وأفتك، لأن الناس لا يراجعونها بعقولهم، بل يسلمون لها تسليمًا"، بمعنى أن استخدام الدين كغطاء للنزاع يجعل الناس أقل نقدًا، وأكثر قابلية للاندفاع، حتى لو كانت الحرب ظالمة
أما (سيد قطب)، فله قول مثير للتأمل وإن اختلف حوله الكثيرون: "الحق لا يُفرض بالقوة، ولكن القوة يجب أن تُستخدم لحمايته" ،هذا القول يفتح الباب للتساؤل: من يحدد الحق؟ ومن يملك شرعية استخدام القوة؟ وهل القوة فعلاً تحمي الحق، أم تفرضه.
وفي هذا السياق يقول (برتراند راسل) "الحروب الدينية تُخاض دفاعًا عن المعتقدات التي لا يمكن إثباتها"، وهو نقد ساخر لحقيقة أن أكثر الحروب دموية كانت تُشنّ تحت رايات لا تقبل النقاش أو البرهان، فقط "الإيمان الأعمى".
وإذا رجعنا للواقع، نجد أن كثيرًا من الحروب تجد لها دائمًا "رجال دين" يقدمون الفتاوى عند الطلب، وتكون الفتوى على قدر الدسومة.

فالحروب لا تشتعل باسم الدين إلا إذا وجد فيها من يفرّغ الدين من معناه ليملأه بالعنف، فالحقيقة الصادمة هي أن "الحق"، في سياق الحروب، أصبح أداة خطابية، لا قيمة أخلاقية. يُستخدم لتعبئة الجماهير، وتبرير العنف، وغسل الدماء بالشعارات.
ولذلك، يجب أن يكون سؤالنا الحقيقي اليوم:
من يعرّف الحق؟
هل هناك حق مطلق في سياق سياسي متحرك؟
وهل يمكن أن تُخاض حرب "مقدسة" بلا أن تتحول إلى جريمة ضد الإنسان؟
فخلاصة القول يجب ان نبدأ بأنفسنا بعدم احتكار الحقيقة، ومهما كان إيمانك قوي، لا يعني أنك معصوم من الخطأ أو أن فهمك هو الفهم المطلق وان الحق ليس محصورًا عندك، بل قد يكون موجودًا حيث لا تتوقع كما قال (جلال الدين الرومي) "لا تكن متأكدًا جدًا من ما تؤمن به، فقد يكون الحق في الجهة الأخرى من الجدار." والجدار هنا رمز للحواجز النفسية أو العقائدية أو الطائفية أو حتى الفكرية اللي تفصلنا عن الآخر.
.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس الإيراني يقول إن التواصل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئ


.. افتتاح استثنائي.. الكنيسة الملكية في قصر فرساي تفتح أبوابها




.. خارج الصندوق | حصار شامل.. أميركا تضرب الإخوان في كل مكان


.. بعد تكريم شيخ الأزهر له.. الطفل أنس يبدع في تلاوة القرآن بدو




.. إدانة عربية وإسلامية لانتهاكات الاحتلال في القدس