الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-التديّن الإمبريالي-: حين تُصبح الحروب مقدّسة!

ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)

2025 / 5 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لم يعد التديّن، في كثير من دوائر القرار الغربي، مجرد مسألة روحية أو شخصية، بل تحوّل إلى أداة أيديولوجية تُستخدم لتبرير مشاريع الهيمنة والغزو، خاصة في الشرق الأوسط، وأقصد بـ"التديّن الإمبريالي" هو ذلك النمط من الخطاب الذي يُلبس السياسات الاستعمارية لبوساً دينياً مقدّساً، مستنداً إلى نبوءات توراتية أو رؤى لاهوتية عن نهاية الزمان.
في هذا السياق، تصبح الحروب "مهمات مقدسة"، والاحتلال تحقيقاً "لإرادة إلهية"، وهو ما يُشكّل أخطر أنواع الشرعنة للعدوان باسم الدين، ويعيد إنتاج خطاب "الغزو المقدّس" بثوب معاصر يتقاطع فيه اللاهوت مع الجيوسياسة.
فهل ثمة علاقة بين النبوءات الدينية والسياسات الإسرائيلية والأمريكية في الشرق الأوسط، وهل ما يحدث اليوم توظيف سياسي لنبوءات لاهوتية! وهل نحن أمام صراع مصالح، أم حروب عقائدية؟
العديد من دوائر تنفيذ القرار الديني والسياسي الغربي، خاصة الأمريكي، تعتبر نفسها "مرسلة" لتنفيذ مشيئة إلهية، كما عبّر عن ذلك صراحة الرئيس الأمريكية ترامب، أو سفيره في "إسرائيل" (مايك هاكابي) "سنحقق شيئا ذا أبعاد توراتية بالشرق الأوسط في ظل إدارة ترمب"، وأضاف لاحقاً: "انتصارات إسرائيل وبقاءها لان يد الله فيها .. الله اختار هذه الأرض كي تكون موطنا للشعب اليهودي .. التحالف الأمريكي الإسرائيلي هو تحالف ديني وليس سياسي.."
في الولايات المتحدة الأمريكية، هناك تيار قوي يُعرف بـ"المسيحية الصهيونية (Christian Zionism) يبرز دوماً خطاب نهاية الزمان في السرديّات السياسية، ويؤمن أتباعه بأن عودة اليهود إلى "أرض الميعاد" وإقامة دولة إسرائيل هو تحقيق لنبوءات توراتية، تمهيدًا لـ"نهاية الزمان" وعودة المسيح.
هذه الرؤية شائعة بين بعض القيادات السياسية المؤثرة، خاصة في اليمين المحافظ، وتدفع هذا التيار إلى دعم إسرائيل بشكل غير مشروط، لأنه يُنظر إليها كأداة لتحقيق مشيئة إلهية حسب اعتقادهم! كما يتم توظيف مفاهيم مثل "هرمجدون" و"المعركة الأخيرة" كتبريرات لأعمال عسكرية أو تدخلات في الشرق الأوسط.
في عهد الرئيس "رونالد ريغان"، قال في إحدى المقابلات عام 1980م، إنه يعتقد "أننا نعيش في "نهاية الأيام" بحسب الكتاب المقدّس، وأن الاتحاد السوفيتي وإيران يمثلان قوى الشر التي ستخوض معركة "هرمجدون"!
أما "جورج بوش الابن"، فوصف حرب غزو العراق عام 2003، بأنها "مهمة ذات طابع مقدّس"، كما استخدم عبارات دينية مثل "الله أمرني بمحاربة الإرهابيين"!. أما "مايك بينس" (نائب الرئيس ترامب) يرى أن دعم إسرائيل ليس فقط مسألة سياسية بل "وصية إلهية"!
هذه المواقف، وغيرها الكثير، ليست فقط شخصية، بل تؤثر على السياسات الخارجية، وتُستخدم لتبرير الحروب وتغذية فكرة "الخير ضد الشر" بنَفَس توراتي!
أما في "إسرائيل"، كدولة مصطنعة، غالباً ما تُقدِّم نفسها كدولة علمانية، لكنها تستفيد سياسياً من الدعم الأمريكي القائم على أساس ديني، فأغلب الجماعات الدينية والسياسية تؤمن بأنها في "فترة تحقيق النبوءات"، خاصة ما يخص "بناء الهيكل الثالث" المزعوم في القدس، حيث تعمل الأحزاب الدينية على إعداد الأدوات اللازمة لبناء الهيكل في موقع المسجد الأقصى، انطلاقاً من إيمانهم بأن ذلك سيسرّع من مجيء "المسيح المنتظر"!
وبعض الأحزاب الدينية في الكنيست (مثل "يهودوت هتوراه" و"شاس") تتبنى خطاباً يشير بوضوح إلى أن "إسرائيل" الحالية هي نواة مملكة داوود الموعودة"!.
وفي عام 2023، وصف رئيس وزراء الكيان "بنيامين نتنياهو" الحرب على غزة بأنها "مواجهة بين أبناء النور وأبناء الظلام"، وأضاف: "سنحقق نبوءة إشعياء، لن تسمع بعد، خراباً في أرضك، سنمنح المجد لشعبك، سنقاتل معاً وسننتصر". وعام 2024، قال "نتنياهو"؛ "كما هو مكتوب في التوراة سألاحق أعدائي وسأقضي عليهم".
بات من الواضح أن توظيف النبوءات الدينية في القرارات الدولية، خاصة في الغرب و"إسرائيل"، لم يعد ظاهرة هامشية بل سياسة ممنهجة، وإن ربط السياسات الدولية بالعقائد الدينية يُسهم في تغذية الصراعات ويبررّ القتل والعنف والظلم باسم "الإله"، وبقالب روحي خالص، كما يُحوّل الجغرافيا السياسية إلى حلبة معركة لاهوتية.
وقد اعتبر العديد من المفكرين العرب أن هذا التوظيف الديني في الغرب ليس تعبيراً عن إيمان، بل سلاح أيديولوجي يُستخدم ضد العرب والمسلمين، والحل، كما يرون، ليس فقط في نقد هذا الخطاب، بل في تحرير الوعي العربي من التبعية له، وبناء مشروع حضاري مستقل.
فالمفكر "محمد عابد الجابري" انتقد توظيف الدين في السياسة، واعتبر أن الخطاب الديني الذي يستخدم النبوءات يُكرّس التبعية والتخدير، بدلاً من تحفيز الشعوب على النهوض. أما "إدوارد سعيد" فقد وضّح في كتابه "تغطية الإسلام"، كيف يتم استخدام الصور النمطية الدينية عن العرب والمسلمين في الإعلام الأمريكي لتبرير السياسات العدائية.
فيما تحدّث المؤرخ اللبناني "جورج قرم" عن "العلمانية المزيفة" في الغرب، التي تدّعي الحياد، بينما توظّف الدين في خدمة المصالح الاستراتيجية، خصوصاً في دعم إسرائيل.
ما تحتاجه المنطقة، ليس فقط تفكيك هذا الخطاب بل مقاومة تبعيته، عبر وعي نقدي، ومشروع نهضوي مستقل، يُحصّن العقل العربي من الانخداع بالشعارات الروحية المزيفة، ويُعيد بناء الحضور الحضاري والإنساني للعرب والمسلمين على أساس أخلاقي وسياسي مستقل.
والمعركة العربية مع مشروع "التدّين الإمبريالي" ليست فقط سياسية أو عسكرية، بل فكرية وثقافية في العمق، وأي مواجهة فعالة يجب أن تبدأ بتحرير العقل العربي من أوهام التبعية، وبناء خطاب عربي إنساني، عقلاني، مقاوم، لا ينجر إلى ثنائيات "النور والظلام" بل يُعيد توجيه البوصلة نحو العدالة والحرية وكرامة الشعوب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إدارة ترمب تصنف فروعا لجماعة الإخوان المسلمين منظمات إرهابية


.. إدارة ترامب تصنف أفرع جماعة الإخوان منظمات إرهابيـ*ـة




.. الخامسة | واشنطن تصنف -الإخوان- في مصر ولبنان والأردن كمنظم


.. تضييق أوروبي متصاعد على تنظيم الإخوان.. ومشروع قرار فرنسي لإ




.. مناظرة عن التحديث والتقديس في التراث بين د. عبد الغني هندي