الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المنطق الوجودي ... منطق الإنسان الملقى به في الوجود
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 5 / 13الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
محاولة إقامة تعريف :
المنطق الوجودي هو نهج فلسفي يفكر في الوجود لا كمجرد مُعطى موضوعي ، بل كتجربة ذاتيّة حيّة ، و لا يسعى المنطق الوجودي إلى "البرهان" في إطار القوانين العقلية الجامدة ، بل إلى فهم الوجود الإنسانيً في توتره ، و تناقضاته ، و تفرده ، و هذا المنطق لا يعتمد على الضرورة الشكليّة ، بل يعتمد على فكرة الإنكشاف الوجودي ، و المنطق الوجودي هو أحد الموضوعات العميقة و المعقدة ، التي تقع عند تقاطع الفلسفة الوجوديّة مع المنطق التقليدي ، على عكس المنطق الصوري الكلاسيكي ، الذي يسعى إلى فهم العلاقات بين القضايا ، و النتائج بـ طريقة موضوعيّة و غير شخصيّة ، و من هذه النقطة فـالمنطق الوجودي ، ينطلق من مقولات الفلسفة الوجوديّة ، بخصوص أسبقيّة الوجود على الماهيّة ، و مدى أهميّة الزمانيّة ، و تركيز الفلسفة الوجوديّة على الإنسان ، و مدى أهمية الحريّة للإنسان ، و جدارة الإعتبارات الأخلاقيّة بـ الإهتمام.
• ما هو المنطق في الأساس؟
- كلمة "منطق" من ناحيّة الاشتقاق اللغويّ كانت تدل في أول الأمر على الكلام ، فعلى سبيل المثال نجد أن الكلمة الإنجليزيّة Logic ، هي كلمة مشتقة من الكلمة اليونانيّة Λόγος (بـ القبطي: ⲗⲟⲅⲟⲥ ) التي تعني «الكلمة» ، ثم أخذت معنى اصطلاحيًا و هو ما وراء الكلمة من عملية عقلية ، فإذا كانت Λόγος معناها «الكلمة» ، فهي تدل أيضًا على العقل ، أو الفكر ، و البرهان ، و من هذه النقطة السابقة تم استخدام اسم صفة منها ، لكي يدل على الفكر ، و البرهان ، و طريقة التفكير العقليّ بـ شكل عام و هذا هو أصل كلمة «منطق» في اللغات الأوروبيّة ، أما الكلمة العربية منطق فقد عُرِفَت حين تُرْجِمَ المنطق اليوناني إلى اللغة العربيّة ، و لم تكن الكلمة في أول الأمر تتضمن معنى التفكير أو الإستدلال ، بل كانت تدل على معنى الكلام ، لأن كلمة «النطق» في أصلها اللغوي لا تدل إلا على الكلام و التلفظ ، فـ المترجمون في القرن الثامن الهجري حين أرادوا ترجمة كلمة Λόγος ، رجعوا إلى الأصل المستعمل حينئذ لهذا اللفظ ، حيث إنه لم يكن يدل على العقل أو الفكر كما هو الحال في اليونانيّة ، و من هنا أضطّر الفلاسفة المتحدثين بـ العربيّة حينئذ إلى تبرير هذا الإستعمال ، بأن فرقوا بين نوعين من النطق :
· الأول : ظاهريّ ؛ يفيد التكلم.
· الثاني: باطنيّ ؛ يفيد إدراك المعقولات.
و بهذه التفرقة أعطوا الكلمة مدلولها الأصليّ و الإصطلاحي معًا.
• متى بدأ استعمال كلمة المنطق؟
كانت بداية استعمال كلمة λογϊχη اليونانية ، غير معروفة على وجه التحديد ، لأننا لا نعرف على وجه الدقة من هو أول من أستعملها اصطلاحيًا ، ولا في أي عصر ، لكن يرجح أنه من الممكن ، أن تكون الكلمة من وضع شُراح أرسطو ، الذين وضعوها اصطلاحًا من أجل أن يقابلوا بين أورغانون أرسطو ، و دياليكتيك الرواقيين ، و يرى الدكتور عبد الرحمن بدوي أن هذه العمليّة قد تمت ، في عهد أندرونيقوس الرودسي ، و قد استخدم شيشرون الكلمة في إحدى مؤلفاته ، ويدل استعمال شُراح أرسطو ومنهم الإسكندر الأفروديسي ، على أنها قد أصبحت شائعة في عصرهم ، أي القرن الثاني بعد الميلاد.
• ما هو المنطق؟
المشكلة الأولى التي يتعرض لها أي باحث في المنطق ، هي مشكلة التعريف ؛ حيث يقول تشارلز بيرس «يمكن تقديم حوالي مائة تعريف للمنطق» ، غير أن بيرس يستدرك الأمر قائلاً : «و مع ذلك فإنه عادةً ما يتم الإقرار بأن الموضوع الرئيسي للمنطق هو تصنيف البراهين لمعرفة الصحيح منها والباطل ...» و من هذه النقطة فإن المنطق ، يقوم بـ دراسة المناهج و المبادئ التي تمكننا من التمييز بين البراهين الصحيحة و البراهين الباطلة ، و عندما نرجع إلى التراث الفلسفيّ العربيّ ، نجد أن ابن سينا (شارح أرسطو) يقول عن المنطق أنه "صناعة النظرية التي تعرفنا من أي الصور و المواد يكون الحد الصحيح الذي يسمى بالحقيقة حدًا ، و القياس الصحيح الذي يسمى برهانًا" ، و أنا أتفق مع الدكتور علي سامي النشار ، في أن هذا التعريف أرسطو-طاليسي بحت ، حيث أن ابن سينا لم يبتعد عن تعريف أرسطو كثيرًا ، و من الملاحظ في الفلسفة العربيّة القروسطيّة (فترة القرون الوسطى) ، و المسيحيّة المدرسيّة ، أن التعريف الخاص بالمنطق الذي طرحه أرسطو ظل يردد كما هو ، مع القليل من التعديلات التي زادها الشُراح على التعريف الأصلي ، و نجد وضوح التعريف عند القديس توما الأكويني ، الذي عَرَف المنطق «بأنه الفن الذي يقودنا بـ نظام و سهولة بدون خطأ في عمليات العقل الإستدلاليّة» ، وقد ساد هذا التعريف في فترة العصور الوسطى.
• هل المنطق علم ام فن؟
هذا التساؤل الجيد طرحه لأول مرة كسيودورس (المتوفى سنة ٥٧٠ .م) ، و من ثم أصبح هذا التساؤل من المشاكل التي يُعنى بها دارس المنطق في مستهل دراسته ، و إن كنا سنجد أن لا داعي لوجود هذه المشكلة (وها نحن نمشي على خطى بدوي) ، و لكي نفهم الحوادث ، علينا أن نعرف عللّها (أسبابها) ، و قد جعل أرسطو الصفة الأولى للعلم أنه نزيه ، بمعنى أنه يبحث في الحقيقية بغض النظر عن التطبيق ، و يظل في دائرة النظر المجرد (والمنطق الوجوديّ عكسٌ ذلك) ، لكن الفن/الصناعة هو إمكانيّة تطبيق الحقائق النظريّة بواسطة مناهج للعمل ، و يرى الدكتور عبد الرحمن بدوي أن المنطق ليس فنًا (أي: علمًا) ، كما أنه ليس علمًا معياريًا ، بمعنى علم يبحث في قيمة الغايات نفسها ، و إنما المنطق هو علم بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، لأنه علم التفكير الصحيح مثلما أشرت سابقًا عند التعرض لتعريف ابن سينا و توما الأكويني.
• المنطق الوجودي أمام الأنواع الأُخرى
المنطق الصوري (أو الكلاسيكي) ، هو النظام الذي يعتمد على القواعد الصارمة ، التي تحكم العمليات العقليّة مثل الاستنتاجات المنطقيّة ، و قانون الهويّة ، و عدم التناقض ... وهلم جرًا ، و هذا المنطق يعتمد على المفاهيم الثابتة ، و يُستخدم بشكل واسع في الرياضيات ، و العلوم ، و البرمجة.
و المنطق الصوري يفرض وجود قوانين ثابتة تعمل بموجبها الأشياء ، و يتناقض هذا الأمر ، مع المنطق الوجودي الذي يتعامل مع المشاعر الإنسانيّة مثل القلق ، و الحريّة ، و التفرد ، و المنطق الصوري يسعى وراء اليقين العقليّ ، في حين أن المنطق الوجودي ينظر إلى الوجود الإنسانيّ ، كـ شيء غير يقيني ، و غير قابل للحصر ، لأن الفرد الوجودي هو فرد يبحث عن الحريّة ، و يعيش في الزمانيّة ، من أجل قيام فردانيته ، تلك الفردانيّة التي لن تقوم إلا على الإيمان بوجود أصالة في تجربته ، عن طريق الوحدة التي يشعر بها الفرد الذي يرتقي فوق القطيع.
و من أبرز الفروق بين المنطق الصوري و المنطق الوجودي ؛ هو أن المنطق الصوري يُستخدم في العلوم و الرياضيات ، لأنه يهتم بـ المفاهيم العامة و الثابتة ، و على العكس من ذلك نجد المنطق الوجودي يُستخدم في الفلسفة ، و الأدب الوجودي ، و اللاهوت (الوجودي أيضًا!) ؛ و يرى كيركجور أن الحقيقة لا تُدرك بالعقل وحده ، بل بـ الإيمان و الإلتزام الذاتي ، و من هنا فالمنطق الكلاسيكي ، لا يستطيع فهم التناقضات الوجوديّة ، مثل الإيمان بـ اللامعقول ، و يجب أن نرى أن الوجود لا يُفهم كـ مفهوم منطقي ، بل كـ تجربة مُعاشة مثلما يقول هايدجر ، و عندما أتفكر في فكر سارتر أجد أن الحريّة ، غير قابلة الصياغة في منطق رياضي ، لأن المنطق الوجودي عنده يعني ، ان اتحمل نتائج اختياراتي ، لا أن أبحث عن يقين منطقي خارجي.
و إن كان لـ المنطق الوجودي بداية ، فسوف تكون من الفرد المُلقى في العالم ، و ليس من المبادئ العامة المحكمة ، بل من الفكر الوجودي ، و على عكس المنطق الكلاسيكي الذي يبحث عن اليقين ، نجد أن المنطق الوجودي يعترف بأن العالم لا يمنح ضمانات ، و أن الإنسان مسؤول رغم غياب اليقين.
• تجليات المنطق الوجودي
يتجلى المنطق الوجودي ، في عدة معارف إنسانيّة ، مثل الأدب الوجودي ، ذلك الأدب الذي بدأ من أولى النصوص الدينية في مصر القديمة ، حتى انتهى إلى ما كتبه كافكا ، و دوستويفسكي ، و هيرمان هيسه ، و ألبير كامو ، و سهيل إدريس ، و يتحدث هذا الأدب عن الإنسان و مواقفه الإنسانيّة ، و هناك الشعر العالمي الذي استقى منه الفلاسفة الوجوديين ، العديد من المبادئ و المعارف الوجوديّة ، و خير مثال على ذلك نجده عند مارتن هايدجر عندما درس هولدرلين ، و عبد الرحمن بدوي عندما تحدث عن عمر الخيام و أبي العلاء المعري ؛ ولا نستطيع أن ننكر وجود مفاهيم وجوديّة ذات أهمية ، في الشعر الجاهلي ، وهناك علم النفس الوجودي الذي نهل من الفلسفة الوجوديّة ، و قدمها بصورة مثالية أقرب للإنسان ، و اكثر تمثيلاً لمشاكله ونجاحاته اليوميّة ، و اللاهوت الوجودي الذي بدأ مع الأب الروحي لـ الوجوديّة كيركجور ؛ و كل هذه هي معارف الفلسفة الوجوديّة ، لكن أين هي بلد الوجوديّة؟
- ألمانيا ، لا. - فرنسا ، لا. - مصر ، لا. - الإنسانيّة ، نعم. - الإنسان ، أجل.
و الهدف الأساسي ، من المنطق الوجودي ، هو التعامل مع الوجود البشري بما هو كائن حي ، يتأمل في نفسه وفي العالم ، بدلاً من تطبيق منطق رياضي أو صوري بارد ، و ينطلق المنطق الوجودي من التجربة الذاتيّة ، التي تشمل الشعور بالقلق ، و السعي وراء المعنى ، في عالم بلا معنى... يتبع...
المصادر :
- صـ ٢١٢٢ ، الوجودية : مقدمة قصيرة جداً ؛ تأليف توماس آر فلين ، ترجمة مروة عبد السلام ، مراجعة محمد فتحي خضر ، نسخة رقمية صادرة عن مؤسسة هنداوي عام-٢٠١٣.
- صـ ١١١٢ ، مبادئ المنطق الرمزي ؛ تأليف حسين علي ، دار الجوهرة للنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى-٢٠١٤ ، القاهرة.
- صـ ٣ ، ١٧ ، ٣٢ ، المنطق الصوري والرياضي ؛ تأليف عبد الرحمن بدوي ، مكتبة النهضة المصرية ، الطبعة الثانية-١٩٦٣ ، القاهرة.
- صـ ٥٨ ، ٣٢ ، المنطق الصوري : منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة ؛ تأليف علي سامي النشار ، دار المعارف بمصر ، الطبعة الرابعة-١٩٦٦ ، الإسكندرية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إسرائيل تحدد شرطها للانسحاب من لبنان.. هل يصطدم بحزب الله؟ |
.. جولة الصحافة | نيويورك تايمز: مذكرة التفاهم منحت إيران نفوذا
.. الدفاع الإماراتية: استهداف ناقلتين وطنيتين بصاروخين إيرانيين
.. انفجارات عنيفة تدوي في إيران وترمب يعلن هدف الضربة
.. خارج الصندوق | مفاوضات إيران تورط نائب ترمب داخل أميركا