الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


زميلي ماركس في البادية يورد الإبل

خلف علي الخلف

2025 / 5 / 15
كتابات ساخرة


في كلّ مرّة أفتح فيها مقالاً ثقافياً أو بياناً نقدياً أو حتى منشوراً لفيلسوف عربي على فيسبوك، لا بد أن تصافحني عبارة: "ما هكذا تورد الإبل". كأن المثقفين – رعاهم الله وأطال في أعمار جمالهم – يقودون كل صباح إبلهم لترد حياض المعرفة، في مشهد رعوي جليل، بين خِطام وعِقال، وهم يرتّلون فوكو ويرددون حِكم ابن خلدون.

استخدمت هذه المقولة من اليسار واليمين والشمال والغرب، في سياقات متناقضة واتهامات ثقافية فكرية متبادلة في حروب الكتاب العرب وغير العرب، كي لا يعتب علينا أصدقاؤنا الكرد والسريان والأرمن والشيشان والشركس والتركمان والقرباط والمطربان الذين يكتبون بالعربية. منذ فترة كتبت هذه المقولة صديقة لي، رداً على مقال سياسي يناقش المسألة الطائفية التي يغطس في وحلها جموع من الكتاب ويتهمون في الوقت الذي يتهمون الآخرين بها. خمنت أن للإبل علاقة بالطائفية والجدل دون السياسي فقلت ربما هناك طريقة معينة لا أعرفها لمناقشة المسألة حِدتُ عنها.
بعد أيام نشرت مقالاً حول رواية صادرة حديثاً وانتقدت بعض العثرات في بناء الشخصيات بقسوة، وكتب لي صديق المؤلف من أعالي أوتاوا، التي يحاول الأخ الرئيس ترامب ضمها: "ما هكذا تورد الإبل يا صديقي!" علماً أن صاحبي هذا، وُلِد في كندا ولم يزر البلاد العربية إطلاقاً ولا يفرق بين خروف وجمل، لكنه يحمل دكتوراه في السيمياء، أي أنه بالتأكيد أدرى مني بمسارات الجِمال!

لعنت جهلي بكيفية إيراد الإبل، فكيف عرف صديقي الكاتب الكندي من أصل عربي كيف يورد الإبل بطريقة صحيحة، بينما أنا الذي عشت في البادية والصحراء لم أعرف هذا! فذهبت إلى اليوتيوب وبحثت عن "كيف تورد الإبل" فلم أجد أحداً نشر شيئاً. ما هو منشور عبارة عن سوالف تحكي قصة المقولة ومنشأها. فوجدت أن أصل المقولة يَروي أن رجلًا من قوم ما أخذ الإبل إلى المورد، فتصرف تصرفاً غير مألوف، فقال له شيخ القوم: "ما هكذا تورد الإبل يا سعد". قيلت له لأنه أفسد الترتيب، خالف العادة، أخل بالسياق. ولكن المؤسف أن المقولة نفسها لا تشرح الطريقة الصحيحة لتوريد الإبل. ورغم أن مثقفنا المعاصر، لا سعد ولا راعٍ، بل يُورد الإبل إلى صفحات الفيسبوك، ويحب أن "يردّ" على خصومه بحكمة بدوية مغسولة بالماء النيتشويّ!

هل رأى أحدكم مثقفاً عربياً واحداً يورد إبلًا؟ هل وقف أحدهم ذات فجر صحراوي، وهو يمسك بعصاه الغليظة، يصرخ في الجِمال الهائجة: "عودي يا وضحا! لا تشربي من هذا المورد بهذه الطريقة الخاطئة!"؟ أم أن كل ما رأوه من الإبل صورة خلفية في عرض باوربوينت لمحاضرة عن "سيميائية الترحال في الشعر الجاهلي"؟

لقد تحولت هذه المقولة إلى كليشيه بلاغي رسمي في بيروقراطية الثقافة، مثل الختم الأحمر أو الأزرق الرسمي الذي يُوضع على الورق ليمنحه هيبة الدولة وسلطانها، فالمعنى غائم، لكن الاستعمال يُضفي على القول طابعًا مهيبًا يُغني عن الفهم.
أحدهم كتب مؤخراً مقالة من 3000 كلمة متزاحمة متناطحة عن أزمة العقل العربي، وختمها بقوله: "لقد سقطنا في فخ التبعية المعرفية... ما هكذا تورد الإبل يا سادة." وأنا أتخيله وهو يكتب، يجلس في مقهى باريسي، يرتشف قهوته المختصة المكثفة، وعلى شاشة اللابتوب أمامه صورة لجمل يتيم من موسوعة ويكيبيديا، لا يميز بين سنامين وسنام.

ورأيت منذ أيام برنامجاً عن الذكاء الصناعي، باعتباري مهتماً بإنجازاته، فختم الضيف نقده لاستخدامات الذكاء الصناعي في العربي بعبارة "ما هكذا تورد الإبل"! فابتسمت المذيعة وقالت له: فعلاً. نشكر ضيفنا من لندن فلان الفلاني. فعلاً؟ لا أدري ما علاقة الجمل بالذكاء الصناعي! هل كان من المفترض أن ندرّب الجمل على البرمجة؟

أترى أن الإبل كان يجب أن تَدرس في مختبرات الذكاء الصناعي لتُعلم خوارزمياته التي تدلها على الطريقة الصحيحة لشرب الماء! ربما الجمل نفسه هو من ابتكر "خوارزمية التشويش على الشبكات المنظمة"! يبدو أن بعض المثقفين يظنون أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يتدرب على "حكمة الصحراء" أولاً قبل أن يوضع في الاستخدام رغم أنه بالتأكيد يعرف الطريقة السليمة لاستخدام العبارة.

وإن أردت الطرافة في ذروتها، فاقرأ لمثقف يساري أمضى نصف عمره في شتم البدو وتحقير الصحراء، واتهام الجَمَل الرائع والنبيل بأنه رمز الرجعية، ربما لأنه لم يقرأ رأس المال الذي سيدله على طريق الماء. هو ذاته – ويا للمفارقة – لا يتورع عن كتابة: "ما هكذا تورد الإبل!" حين يريد أن يهاجم خصمه الليبرالي أو الإسلامي أو زميله في الجريدة أو رفيقه في الحزب الذي لا يعرف الجمل مثله.

يا صديقي، إن كنت ترى الصحراء تربة للتخلف، والإبل رمزاً لقبائل ما قبل الشيوعية، التي أنتجت أحزاباً في العالم العربي على شكل قبائل، لا هي أخذت ما هو إيجابي في مفهوم القبيلة ولا قدمت لنا نموذجاً لبناء الجماعات السياسية، فهل يصح أن تستدعيها في معاركك الأيديولوجية؟ أأنت ماركسي صباحاً وراعٍ بعد الظهر؟ أم أن الإبل أصبحت ضحية أخرى لديكتاتورية اللغة والاستهتار بمقولاتها!

عزيزي المثقف، دعوا الإبل لأهلها، ودعوا مواردها بلا تنظير. بالطبع لا ضير في استعارة الأمثال، لكن حبذا لو اقتصر استخدام العبارة على من لديه "رخصة ثقافية لتوريد الإبل" من شيخ قبيلة معتمد، على أن تُجدد سنويًا باجتياز امتحان في التفريق بين الجمل والناقة، والخطام والشكيمة، والمورد والمزبن، ويجب أن يكتب على الرخصة: رجاء لا تورد إبلًا لم تسر خلفها، ولا تسقها من موارد لم تذق ماءها.

ملاحظة: هذا المقال صححه ودققه الذكاء الصناعي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات