الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الإمارات والولايات المتحدة: اتفاقية الذكاء الاصطناعي بين الطموح السيادي ووصاية الرقاقة
خالد خليل
2025 / 5 / 16مواضيع وابحاث سياسية
مدخل: وهم الشراكة في زمن التفوّق
أُعلن مؤخرًا عن اتفاقية كبرى بين دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، تتعلق بإنشاء واحد من أكبر مجمّعات الذكاء الاصطناعي في العالم، واستيراد مئات الآلاف من رقائق NVIDIA المتقدمة مثل H100 وA100. وعلى السطح، يبدو هذا إنجازًا اقتصاديًا وعلميًا استثنائيًا، لكن فحص بنية هذه الاتفاقية يكشف عن هشاشة السيادة التقنية، وعمق التبعية الجيوسياسية، والتناقض المؤلم بين الرؤية المستقبلية والواقع التنفيذي.
رقائق أمريكا: قلب الذكاء الاصطناعي ومحور السيطرة
الرقائق المتقدّمة، وعلى رأسها رقائق H100، ليست مجرد أدوات حوسبة فائقة، بل هي ماكينات تصوغ مستقبل الحضارات الرقمية. فهي تمثل القدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، وإدارة المعرفة، والتحكّم في سلوك الأسواق، وحتى إعادة تشكيل الإدراك الجمعي.
وبسبب هذه الأهمية الاستراتيجية، تفرض الولايات المتحدة رقابة صارمة على صادرات هذه الرقائق. وفي حالة الإمارات، فإن استيراد هذه المعالجات مشروط بإشراف أمريكي مباشر، من خلال:
• إدارة أمريكية للبنية التحتية السحابية.
• بروتوكولات أمنية مثل “اعرف عميلك” (KYC) لمنع الاستخدام المزدوج.
• اشتراط عدم نقل التكنولوجيا أو إعادة تصديرها.
وهكذا، فإن ما يُبنى على أرض الإمارات هو – تقنيًا وقانونيًا – ممتلكات معرفية أمريكية بنكهة محلية.
الإمارات: هل هي فاعل مستقل أم أداة تنفيذ؟
الاتفاقية، بما تحمله من شروط، تُبرز حقيقة مؤلمة: الإمارات ليست “سيدة” المشروع، بل “وسيط تمويل وتنفيذ” في مشروع أمريكي أوسع هدفه الحد من اختراق الصين للشرق الأوسط عبر الذكاء الاصطناعي.
يمكن وصف دور الإمارات كما يلي:
• تدفع التكاليف (1.4 تريليون دولار على مدى 10 سنوات).
• تستضيف البنية (أكبر مجمع ذكاء اصطناعي خارج أمريكا).
• تُراقب تكنولوجياً، ولا تملك مفاتيح النظام.
ما يضعها في موقع الأداة التنفيذية أكثر من الشريك السيادي. ومن المفارقة أن الدولة التي طمحت لقيادة الذكاء الاصطناعي عالميًا، أصبحت تعتمد على رقاقات لا تملك سرّها، ولا تتحكّم في مصيرها.
ماذا لو استثمرت الإمارات في السيادة التقنية؟
لو خُصّص جزء صغير من هذه الميزانية الطائلة (حتى 10%) في بناء قدرات بشرية وبحثية حقيقية، لكان من الممكن:
• إنشاء مصانع محلية لتصميم الرقائق بمعايير جديدة (ليس بالضرورة تقليد NVIDIA).
• تطوير بنية خوارزمية جديدة أكثر تكيفًا مع الثقافة العربية والبيئة الإقليمية.
• تمويل مراكز أبحاث مفتوحة لتطوير معالجات كمومية أو ضوئية مستقلة.
• استقطاب مئات العقول العربية المهاجرة لبناء منظومة ذكاء اصطناعي غير أميركية، تنبع من السياق المحلي ولا تتبع النموذج الغربي بالكامل.
لكن ما حدث هو العكس: شراء الحلول بدل صناعتها، وتأجير الأرض للعقل الأمريكي ليُعيد رسم الحدود التكنولوجية.
خاوة لأمريكا؟
في ضوء ما سبق، قد يبدو “الاستثمار الإماراتي” في الذكاء الاصطناعي مجرد خاوة سياسية واقتصادية للولايات المتحدة، لا تختلف كثيرًا عن دفع الجزية في عصر جديد. فبدلاً من أن تكون الشراكة منصة للتمكين الذاتي، أصبحت مناسبة لإعادة ترسيخ التبعية تحت شعار “التقدم”.
ومع أن الإمارات تتحرك برؤية طموحة، إلا أن غياب السيادة على المعرفة، وعلى الخوارزميات، وعلى البنية المادية للذكاء، يعني أن الطموح قد يتحول إلى سراب رقمي جميل – لكن مملوك للغير.
نحو ما بعد الرقاقة: الذكاء الاصطناعي الخالص ومنصات التنبؤ السيادي
رغم الهيمنة المطلقة للرقائق على مشهد الذكاء الاصطناعي اليوم، فإن المستقبل قد يشهد تحوّلاً نوعيًا من “الحوسبة المعتمدة على العتاد” إلى “الذكاء الاصطناعي الخالص”، القائم على منصات تنبؤية سيادية لا تتطلب رقائق فائقة، بل تستند إلى بنى خوارزمية خفيفة وذاتية التعلم تتوزع سحابياً على نطاق عالمي.
هذه المنصات لا تسعى إلى مجاراة نموذج NVIDIA، بل إلى تجاوزه من حيث الوظيفة وليس الأداء الخام، عبر:
• التركيز على التنبؤ السلوكي والصحي والاجتماعي بدقة عالية بموارد منخفضة.
• استخدام نماذج مدمجة (compressed models) تعتمد على الاستدلال اللحظي في الزمن الحقيقي.
• تطوير واجهات عصبية وشعورية بديلة تتجاوز الوسائط التقليدية.
لو تم توجيه التمويل الإماراتي نحو بناء هذا النوع من المنصات، لكان من الممكن أن تُخلق بدائل معرفية مستقلة، لا تحتاج إلى رخصة من وادي السيليكون، بل تنبع من منطق مختلف جذريًا عن منطق الهيمنة عبر الرقائق.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الكاريبي: ضربات أمريكية جديدة على قوارب مشتبه بتهريبها المخد
.. المملكة العربية السعودية.. تسارع وتيرة الإعدامات رغم الوعود
.. الاتحاد الأوروبي: اتفاق بشأن إنشاء هيئة دولية لتعويض أوكراني
.. باريس سان جرمان: القضاء الفرنسي يأمر بدفع 60 مليون يورو لمبا
.. مهلة نزع سلاح حزب الله.. لبنان بين التمديد أو شبح الحرب | #س