الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
فلسطين والخرائط الممزقة: من التواطؤ الرسمي إلى حتمية المقاومة
خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
2025 / 5 / 17
مواضيع وابحاث سياسية
"وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج: 40)
وعدٌ إلهي لا يتخلّف، يتنزّل حيثما استُضعف الحق وواجه الظلم بثبات. لكنه وعدٌ مشروط لا يتحقق بالتمنّي ولا بالحياد، بل بالعمل، وبالإعداد، وبالوقوف في صفّ الله وقضايا العدل. فمن خذل الحق، أو رضي بالهوان، أو سكت عن الظلم، فقد نزع عن نفسه شروط النصر، ولو ادّعى الإيمان.
وقد قال النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتَ أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تُوُدِّع منها."
فالأمة التي لا تغضب لكرامتها، ولا تنتصر لمظلومها، ولا تجرؤ على تسمية الباطل باسمه، أمة ودّعت دورها، وخسرت استحقاقها للنصر.
وفي غزة اليوم، نرى المثال الحيّ لأمّة لم تودّع نفسها، بل وقفت في وجه الظلم بجراحها، وآمنت بعدالة قضيتها، فقاومت وصمدت، وتقدّمت الصفوف نيابةً عن الجميع، دفاعًا عن الحق والأرض والكرامة.
منذ أكثر من قرن، والعالم العربي يُقسَّم ويُمزَّق على أيدي مصالح دولية كبرى لا تعرف إلا حساباتها الخاصة، تاركة شعوب المنطقة تدفع ثمنًا فادحًا من كرامتها وحقوقها. لم تكن فلسطين وحدها ضحية هذا التقسيم؛ فلواء إسكندرون، والأحواز العربية، وسبتة ومليلة، كلها جراح دامية في جسد الأمة، خرائط تفيض بالقهر، وتئنّ تحت وطأة الحدود المصطنعة، والهيمنة الأجنبية، والانقسام الداخلي.
وعلى الرغم من وضوح الحق الفلسطيني، وصدور قرارات دولية متكررة تؤكده—من قرار التقسيم 181، وحق العودة في القرار 194، إلى الإدانات المتكررة للاستيطان—تواصل إسرائيل تنكّرها لكل تلك المرجعيات، مدعومةً بغطرسة القوة وحماية القوى الاستعمارية الكبرى. من بريطانيا التي زرعت بذور النكبة بوعد بلفور، إلى الولايات المتحدة التي تحوّلت إلى الراعي الرسمي للاحتلال، ظلّت فلسطين تُسلَب يومًا بعد يوم، وأمام أعين عالم صامت أو متواطئ.
قال إدوارد سعيد: "النكبة ليست مجرد حدث وقع عام 1948، بل هي مستمرة في كل منزل مهدّم، وكل لاجئ مرفوض، وكل أرض مغتصبة. والمقاومة تبدأ من الوعي بهذه الحقيقة." هذا الوعي هو ما يُراد طمسه، لا بالقوة العسكرية فحسب، بل عبر التحالفات الزائفة والصفقات السياسية التي تُسوّق كإنجازات.
لقد أصبحت الهزيمة خيارًا واعيًا لدى بعض الأنظمة، لا مجرد نتيجة لحرب خاسرة. أنظمة كانت تتغنّى بفلسطين، باتت اليوم تتسابق إلى التطبيع، وتتنافس على نيل رضا المحتل، وتُسهِم—بوعي أو بجهل—في محو فلسطين من الوجدان. لم تعد القضية تُدرّس في المناهج، ولا تُذكر في الإعلام إلا بوصفها عبئًا أو "ملفًا معلقًا"، بينما تُقدَّم إسرائيل كقوة يُفترض التعاون معها في مجالات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا.
وهنا تستعاد كلمات غسان كنفاني، التي لم تهرم: "قضية فلسطين ليست قضية أرض فقط، بل قضية شعب يريد أن يعيش بكرامة... إن قضية شعبنا عادلة، وإن النصر حتمي، وإننا لن نستسلم." وإن كان صوت المثقف الملتزم يُخنق في العواصم الرسمية، فإنه ما زال نابضًا في قلوب الشعوب التي لم تخن ذاكرة القضية.
في وجه هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي، تبقى فلسطين أكثر من مجرد نزاع على أرض. إنها قضية دينية ووطنية وقومية وإنسانية، لا تُمحى بالتقادم، ولا تُطمس بالتطبيع. كما قال نلسون مانديلا: "نعرف جيدًا أن حريتنا غير مكتملة دون حرية الفلسطينيين." ففلسطين ليست اختبارًا للعرب وحدهم، بل لضمير العالم.
ومع كل ذلك، تظل الحقيقة الأكثر وضوحًا أن لا طريق للتحرير سوى بالمقاومة. كما قال جورج حبش: "العدو لا يفهم إلا لغة القوة، وفلسطين لا تُسترد إلا بالمقاومة." وهذه ليست دعوة للعنف، بل تمسّك بحقّ مشروع في الدفاع عن الأرض والكرامة، أقرّته كل الشرائع.
قالها جمال عبد الناصر منذ عقود: "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة." وها هي غزة، وسائر بؤر المقاومة، تؤكّد أن هذه المعادلة ما زالت قائمة. من جنين إلى الجنوب اللبناني، ومن القدس إلى كل شبر من الأرض المحتلة، أثبتت المقاومة أنها قادرة على إعادة التوازن، لا بالكلام، بل بالفعل.
وكما قال الشيخ الشهيد أحمد ياسين: "نحن لا نملك طائرات الأباتشي ولا دبابات الميركافا، لكننا نملك إرادة لا تنكسر، وإيمانًا لا يُهزم."
لقد فهم هذا القائد الكفيف أن النصر لا يُقاس بعدد الطائرات، بل بعمق الإيمان وصلابة الحق. ترك لنا نموذجًا للمقاومة التي تنبع من الروح، لا من ترسانة الحديد.
قال الإمام موسى الصدر: "إن الدفاع عن فلسطين واجب شرعي ووطني وإنساني، والموقف المتخاذل هو خيانة لله والتاريخ." وكذلك فعلت المقاومة اللبنانية التي حرّرت الأرض وأعادت للأمة بعضًا من ثقتها المفقودة.
وها هو ياسر عرفات يخاطب العالم من منبر الأمم المتحدة: "جئتكم حاملًا غصن الزيتون وبندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي." لكن الغصن سُقط عمدًا، ولم يبقَ سوى البندقية في يد من قرر ألا يركع.
لهذا نقول اليوم: لقد آن أوان الشعب العربي ان يتمرد على الركام، على الذاكرة الممحوة، على الخريطة التي يُعاد رسمها من دونه
آن أوان أن نثق بأن الحق لا يموت، وإن تأخر نصره.
وأن فلسطين، مهما طال ليلها، ستنتصر بشعبها وبامتها والله خير ناصر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لغز -الغبار النووي-.. ترمب يهدد باستخراج اليورانيوم المدفون
.. ترمب: أبلغت الصين أن واشنطن لا تحتاج إلى أي مساعدة في ملف إي
.. برعاية أمريكية.. تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لـ
.. نقاش الساعة - بين استهدافات غزة وغارات الجنوب اللبناني.. لما
.. هل بدأت أميركا والصين مرحلة التفاهم الكبرى؟ | #ستوديو_وان_مع