الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من الرماد إلى الوعي: في النكبة كحدث كوني والنهضة كفعل خارج الزمن

خالد خليل

2025 / 5 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


في الذكرى السابعة والسبعين للنكبة، وفي ظلّ فاشية تُعقّم الواقع من كل أثر للعدالة، تصبح فلسطين ليسَت جغرافيا فقط، بل صدىً كونيًا للخلل، ومرآةً للضمير الذي أطفأ ذاته.

1. النكبة بوصفها اختلالاً بنيويًا في الزمان والمكان
النكبة لم تكن لحظة تاريخية مغلقة، بل زلزلة بنيوية مستدامة، أعادت ترتيب هندسة الزمن والواقع لصالح منطق الطرد والإقصاء. إنها ليست فقدانًا لأرض فحسب، بل تفكك للمعنى. لقد شُرّد الفلسطيني لا كجسد فقط، بل كدلالة؛ تمّ تفريغه من سياقه، وحقنه برواية الآخر، حتى غدا وجوده ذاته سؤالًا إشكاليًا.

نكبة 1948 لم تنتهِ، بل استعمرت الحاضر واستشرفت المستقبل؛ إنها الميتافيزيقا السوداء لعصر ما بعد الحقيقة، حيث تُرتكب الإبادة لا في الظلام، بل تحت أضواء البث المباشر، مصحوبة بفتور العالم الذي تكلّست إنسانيته.

2. الصمت العالمي: تشريح اللغة الميتة
الصمت لم يعد غيابًا للكلام، بل لغة قائمة بذاتها: لغة التجاهل، التبرير، التماهي مع الجلاد. هذا الصمت ليس فراغًا صوتيًا، بل سلطة. إنه خطاب مضاد، خطاب يجعل الضحية مفرغة من أهليتها الأخلاقية، ويحوّل الجريمة إلى “إجراء أمني”، والمجزرة إلى “حقٍّ في الدفاع”.

إننا لا نعيش في عصر بلا ضمير، بل في عصر أعاد تعريف الضمير نفسه ليغدو قابلاً للبرمجة، مرنًا حسب الجغرافيا واللون والانتماء.

3. كيف ننهض من الرماد؟

لا نهضة دون مساءلة جذرية للزمن ذاته. النهوض ليس عودة إلى ما كان، بل قفز خارج هندسة الاستعمار: نهوض ضد الزمن الكولونيالي الذي يحاول حصرنا في دور الضحية المؤقتة، التي تنتظر عدالة لن تأتي.

النهضة الحقيقية تبدأ عندما نكفّ عن طلب الاعتراف، ونبدأ بصياغة منظومات بديلة.
حين نخلق لغة لا تعتمد على القبول الدولي، بل على الحضور السيادي للذات الجماعية.
حين لا نطلب مكانًا في الطاولة، بل نعيد تشكيل الطاولة ذاتها.

4. الخيال بوصفه مقاومة معرفية
في قلب كل استعمار، محاولة لاحتلال الخيال. الاحتلال لا يسرق الأرض فقط، بل القدرة على تخيّل مستقبل مغاير. ولذلك فإن المقاومة تبدأ من هناك: من ترميم الخيال، لا كحلم، بل كمشروع وجودي.

حين نحلم بفلسطين حرة، لا نحلم بمكان، بل بزمن مغاير، بزمنٍ تُستعاد فيه الكرامة لا بوصفها شعارًا، بل بنيةً للواقع.
نحن لا نقاوم الموت فقط، بل نقاوم سرديّته: نحفر في الجرح كي نعيد للإنسانية معناها، لا عبر الاستجداء، بل بإنتاج بديل جذري، لا شرقي ولا غربي، بل إنساني في أعمق تجلياته.

5. فلسطين: المرآة الكونية للأزمة
فلسطين لم تعد “قضية” بالمعنى الكلاسيكي، بل صارت مرآة عالمية تُظهر البنية العميقة للاختلال. إنها كاشف الحقيقة، اللاوعي الجمعي للمظلومين عبر العالم. ولهذا فإن النكبة ليست حدثًا فلسطينيًا فقط، بل اختبار كوني: هل لا يزال الإنسان يستحق أن يُدعى إنسانًا؟

خاتمة: نحو نهوض خارج المألوف
نحن لا نبحث عن خلاص، بل عن كشف. لا نريد النجاة، بل التحوّل.
النهوض من الرماد لا يكون بإعادة البناء وفق نفس القوالب، بل بكسرها؛ بإبداع صيغة وجود جديدة، حيث لا يكون الفلسطيني ضحية أو بطلاً، بل إنسان كامل في حضوره، ذو سيادة معرفية وخيالية وأخلاقية.

من رماد النكبة، نولد لا كأشباحٍ تتذكّر، بل ككائناتٍ تُعيد كتابة الزمن. فالنكبة ليست النهاية، بل الباب المُوارب الذي، حين نجرؤ على عبوره، ينفتح على ما لا يمكن محوه: الحرية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أسامة عثمان: سوريا بعد عام من رحيل الأسد.. حرية بين استبدادي


.. الرئيس الفرنسي ماكرون ينهي زيارة -مهمة- للصين • فرانس 24




.. ماكرون ينهي زيارة رسمية للصين.. هل نجح بتغيير موقف بكين من ا


.. من واشنطن | التهديد العسكري الأمريكي لفنزويلا.. اللحظة الأخط




.. عبر الخريطة التفاعلية.. قوات درع الوطن باليمن تعلن عن توسيع