الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
البداية من أول الستر .. التحدى الثقافى الأكبر
منى نوال حلمى
2025 / 5 / 19الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
===================
البداية من أول " الستر " .... التحدى الثقافى الأكبر
============================
اذا كنا حقا جادين فى الارتقاء الحضارى ، فلا مفر من احداث تغيير جوهرى ، فى طريقة التفكير ، وغربلة القيم والمفاهيم ، واعادة ترتيب الأولويات ، وغرس بذور جديدة للوعى ، ولعلاقتنا بأنفسنا ، وبالحياة .
وهذا كله " شُغل " ثقافى بالدرجة الأولى ، يصاحبه " شُغل " اعلامى .
وتشكل ثقافة " الستر " ، احدى التحديات الثقافية الكبرى والرئيسية ، التى تعيش عليها مجتمعاتنا ، وتورثها عبر الأجيال .
ماذا تطلب من الدنيا؟ ... ماذا تطلبين من الدنيا ؟ ... الجواب النموذجي للغالبية من رجال، ونساء مجتمعاتنا، هي " لا أطلب إلا الستر ".
لكن ماذا يعنى " الستر " ؟.
إن الشيء "المستور"، هو الشئ "المحجوب"، "المخفي".. "المستخبي" .. لا تراه عين .. ولا تسمعه أذن. الشئ "المستور"، شئ لا يعرف أحد، عنه شيئاً .
نحن نقول "الليل ستّار" .. بمعنى أن الليل بظلامه، وعتمته، يخفي "الأسرار".. و"العيوب" .. و "الملامح" .. و"الحركات". و " كل شئ" يفضحه، ويكشفه، ويظهره، الصبح، أو النهار.
وكلمة "الساتر" ، تعنى الحاجب، الذي نستخدمه حتى لا يرانا الآخرون، في مواقف نعتبرها غير لائقة.
في مجتمعاتنا، تحتل قيمة "الستر"، مكانة عظمى في تعامل الناس مع الحياة. إذا سألنا امرأة، أو رجلاً، عن الأحوال، والصحة والشغل، والعيال، والفلوس، قال "مستورة". وفي جميع المواقف ، نسمع "استرها يا رب". وأقصى الطموح، والأمنيات، والأحلام، هي ، "الستر" .. من البداية، وحتى النهاية.
رأيى الشخصي، أن مقولة "لا أطلب إلا الستر"، هي أحد العوائق الأساسية، المعطلة للتقـدم، واقتحام تجارب الحياة دون خوف، والمخاطرة لاكتشاف المجهول، والجديد، والمبتكر.
إن الحضارات تصنع نفسها، ليس بـ "الستر" .. ولكن بـ "كشف المستور".
والإبداع الخالد، ذو المكانة العالية في الشكل والمضمون، ليس الإبداع الذي "يستر" التناقضات، والكذب، والزيف، والقهر، والظلم، لكنه الإبداع، الذي "يفضح" كل هذه الأمور.
والأفكار الرائدة التي تبقى في ذاكرة الشعوب، وعلى صفحات التاريخ، هي التي تثور، وتتمرد، على "الستر" في السياسة، والأخلاق، والثقافة، والاقتصاد، والموروثات المكبلة للتحرر.
إن البشر، وكذلك المجتمعات، التي لا "تطلب إلا الستر".. تحتوي في أجسادها على الكثير، والعديد، من الأمراض الحضارية المتوطنة، والأورام الأخلاقية المنتفخة، والدمامل الثقافية المزمنة. ولذلك، فهي تخاف "الكشف" .. وترتعب من "الفضح" .. ولا شئ، يربكها، ويلخبط كيانها، ويزعج منامها، قدر "الوضوح"، و "الصدق" ، و "الفضيحة". اذن " الفضائح " ، ليست الا " الحقيقة
الغائبة " ، التى يفشل الناس فى تجنبها .
إن الرجل الذي لديه الكثير من الفساد الأخلاقي، والخوف من الناس، نجده دائماً في حاجة إلى "الستر" .. وأفضل أنواع "الستر"، أو التخفي، التي تضحك على العقول بجدارة، هو "الستر" باسم الأديان .. و"التخفي" باسم شرع ربنا .. أو كلام الله، أو حكمته.
والمرأة أيضاً، التي لديها الكثير، والعديد، من الفساد الأخلاقي، والخوف من الناس، تحتاج دائماً، إلى "ستارة" مادية، أو معنوية، لإخفاء ما تخشى كشفه.
والمجتمعات (مجموع رجال ونساء)، كلما زاد فسادها، وازدواجياتها، وتناقضاتها، وكذبها، وظلمها، وقهرها، كلما زاد ميلها إلى "الستر" و "التخفي" .. و"التغطية".
إن "الستر"، موقف الضعيف .. الخائف .. العاجز .. الذي يشعر بالإحباط، والدونية، والعبودية.
و "الكشف" أو "الفضح" .. موقف القوي .. الشجاع .. القادر، الذي يشعر بالتحقق والتفوق والحرية.
ان القضاء على كل أنواع الفساد الأخلاقى ، يستحيل دون التمسك ب " فضح "
مظاهره ، وجرائمه ، وتورطاته ، ولجوئه الى " التستر " .
ان الأفراد ، وكذلك المجتمعات ، المستقيمة أخلاقيا ، ليس لديها " أسرار " ، تستوجب
" الستر " ، و" التخفى " .
ان " الشفافية " ، التى نمدحها ، ونطالب بها فى كل المجالات . ليست الا " حربا " موجهة ضد
ثقافة " التستر " ، وحضارة " التغطية " .
من السلوكيات السائدة المألوفة ، أن يخفى الناس التراب والقاذورات ، تحت السجادة ، وبدلا من الاستحمام ، يضعون العطر ، للتستر على الروائح الكريهة .
من المقولات الصوفية : " اللهم اقضحنا .. لا تسترنا حتى يتبين الغث من السمين ".
ناس يقولون : " البداية من أول السطر " . وأنا أقول : " البداية من أول الستر " .
==============================================
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة عمليات الإنقاذ
.. روما تستضيف الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي
.. بين القصف الأمريكي والرد الإيراني.. الخليج أمام مرحلة خطرة
.. الانتقام الكبير.. مأزق ورعب وضرب في روسيا. فهل اقتربت النهاي
.. زيارة حاسمة إلى واشنطن.. ماذا طلب ترامب من الزيدي؟ | #ستوديو