الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مقامة توقيت الأنسحاب .
صباح حزمي الزهيري
2025 / 5 / 20الادب والفن
يسأل صاحبنا : (( هل الصباح دائماً جميل أم أنك أنت التي تجعليه جميلا؟ يا أول من ذكرته بصباحي , وآخر من تركته ليلة البارحة , صباحي يحن إليك , فماذا عن صباحك أنت ؟ ما بين روحي وروحك همسة شوق لا يسمعها الا نبض قلبي وقلبك , قد تكونين بعيدة عن نظري , لكنك لست بعيدة عن روحي )) , يبوح ولا تبوح , يهيم ولا تهيم , يقترب و تبتعد غير مدركة انه لم تبق بالعمر بقية , وتنسى فى زحمة الحياة أنها امرأة طال بها العمر والصبر , ويخشى ان يكون منالها متأخرا , لتردد لها أنفاسه ألأخيرة : (( أتت وحياض الموت بيني وبينها وجادت بوصلٍ حينَ لا ينفعُ الوصلُ )) .
الى صاحبة الكلمات البسيطة , التي لا تسأل كثيرا , ولا تبوح بما يفوق , لكنها تترك الفراغات الذكية , ودعوة لاكتشافها دون خارطة , التي تخشى الاقتراب كثيراً , فالقرب يكشف العيوب , والكشف قد يجلب الخذلان , في داخلها جرحاً لم يُسمّه أحد , أو لعله شكٌ خفيّ , تبحث دائما عن مخرج , عن سبب للانسحاب , كأنها نوتة أخيرة في سمفونية لا جمهور لها واقفة على حافة الذات , تنظر إلى اللاشيء , وتهمس لصوته الداخلي : (( كم مرة يجب أن أُولد من رمادي؟ وكم شمما للروح يحتمل القلب قبل أن يصبح حجراً؟ )) , علتها أنها لا تستطيع اجتناب الحب , بل في توقيت الانسحاب , هي لا تعرف متى تُطفئ الشمعة , ولا متى تعترف أن النسمة كانت وهما , وفي معرفة متى تكون رائحة الروح حقيقية , ومتى تكون مجرد سراب , ففي المكان الذي انتهت فيه الحكاية , لم يبقَ شيء سوى صدى صوتٍ يشبه نسمة , عبر هاتفٍ لم يعد يرن .
لماذا يلجأ المتجنب لهذا الأسلوب ؟ لأنه حين يشعر أن العلاقة تزداد قربًا أو عمقًا عاطفيًا , يعود لا شعوريًا لنمط طفولته : الانسحاب لحماية ذاته من الانكشاف , تفادي المواجهة لتجنّب فقدان السيطرة , ترك أثر ناعم يخلو من ((الذنب )) , لذلك يكتب رسالة شكر, لا لحاجة بالاستمرار , بل ليهرب دون أن يبدو قاسيًا , هي لا تعرف ان اللحظة التي يهزنا فيها زلزال الحب لأول مرة هي اللحظة الأجمل في حياتنا , ونحب أن يتوقف الزمن عندها , لأنه يبدو من المستحيل أن تتكرر مثل هذه اللحظة بنفس الجمال , وهي لا تعرف أنه مهما بلغ عمر المرأة , سيظل هناك رجلٌ يُعجب بها , وكل عاشق يعتبر حبيبه هو المثال الأعظم للجمال , و سرّ الحب أن يبدو الحبيب ملاكًا , حتى وإن لم يكن جميلًا ولطيفًا , و من كان عقله نقيًا , كان حبه نقيًا , فلماذا حين يمحقها الحزن , تنحني لتلثم أيامها المشوبة بنتفة فرح كانت في أحلامها, وببعض ارتباك ؟ ولماذا تخبوا المواجيد في القلوب العاشقة ؟.
لا يجتمعان , الخوف والحب مشروبان لا يمتزجان , اما أن تموت ارتواء , أو تموت من الظمأ , و العاشق لا يقف على الشاطئ يكتب الأشعار, عن سحر الأشياء, لكنه البحر الهائج , وغضب الأمواج الهارب أبدا من عواطف التردد , لا يعترف بالحدود والخطوط الحمراء , جامح ,متطرف , لم يكن العشق أرضا ممهدة تغرد فوقها الطيور, ومفروشة بالورود , الحب كأنه السير فوق أرض ملغمة , تفصلها الأسلاك الشائكة والخرابات والسدود , والخوف والحب كالزيت والماء, متنافران متخاصمان كألد الأعداء , وهناك منْ يختار العداء السهل الذى يسبب الخراب والجدب والدمار , وهناك منْ يختار العداء الخطر لكنه المانع ضد الانتحار والانهيار.
يقول طرفة بن العبد : (( وأمرّ ما لاقيتُ من ألم الهوى قربُ الحبيبِ وما إليهِ وصولُ , أيا بدرًا كم سهرتْ عليكَ نواظري أيا غُصنًا كم ناحتْ عليكَ بلابلُ )) , يشبّه المحبوب بالبدر والغصن الجميل , وتغزّل فيه بعينيه التي سهرت , والطيور التي غنّت له حزينة , (( البدرُ يَكمُلُ كلَّ شهرٍ مرَّةً وهلالُ وجهكَ كلَّ يومٍ كاملُ )) , البدر لا يكتمل إلا مرة بالشهر, أما وجهك يا محبوب , فهو مكتمل الجمال كل يوم , (( أرضى فيغضب قاتلي فتعجبوا يرضى القتيل وليس يرضى القاتلُ )) , يا للعجب , أنا – القتيل من حبك – راضٍ سعيد , أما قاتلي (محبوبي) فهو غاضب , (( قتل النفوس محرمٌ لكنّه حلٌّ إذا كان الحبيبُ القاتلُ )) , حتى القتل يصبح مباحًا إن كان القاتل هو الحبيب , يا لجنون الهوى , هذه الأبيات تلامس القلوب , وتحكي حال كل عاشق ذاق نار الهوى , فأي بيت أعجبك أكثر؟ وكم مرة كنت كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول ؟ )) .
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بيت مراد - الفنانة يسرا تحكي حكاية فيلم -الإنس و الجن-
.. بيت مراد - الفنانة يسرا و قصتها مع بيت شيكوريل
.. كيف يساعد المسرح الارتجالي الناس على تجاوز آثار الحرب؟
.. الشاعر عبداللطيف الحسيني.أمسية في مدينة اسطنبول عن محرقة سين
.. سلمى ذات القدرات الخاصة بعد امتحان اللغة العربية: مبسوطة قوي