الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
النسق وبناء النص عند الشاعرة فراقد السعد
داود السلمان
2025 / 5 / 21الادب والفن
(1)
مقدمة
القصيدة عند الشاعرة فراقد السّعد هي صرخة مدوية في وجه ما تراه يعكر صفو الحياة، ويجعل الملل يتسرب إلى قلوبنا، نحن المخلوقات التي قذفتنا الطبيعة من دون انذار مسبق، ذلك لما يجري علينا من نكال، ومن وبال قد لا نستحقه، كوننا نعيش كالتائهين في فوضى الوجود. لهذا تجد الشاعرة دائما تشكو الغياب، وتعاتب الزمن، وتتحسر على قضايا فلتت من سهم واقعها من دون أن تشعر، وهو كنوع من ظلم الحياة نفسها. لذلك نرى معظم نصوصها فيها نوع من توبيخ الواقع، كأنها تعاتب القدر، وتلوم الليالي. إذ نقرأ: (من نص: بعنوان وحشة – ص 75 من المجموعة) "في أقصى زاوية المرأى/ روحا رقيبة تُجاري أصغركَ/ إيماءةً وسكون/ كنتُ أدركُ في أقصى ركنك القلق". والقلق عند الشاعرة يمثّل قمة الخوف واليأس، والاحباط المتجدد، وربما منه تتمخض القصيدة ويولد الشعر، لأنّ الشعر لا يأتي إلّا من معاناة، وظروف صعبة تمر على الشاعر.
(2)
وفي كتابي "الحرث في أرض البوح" ذكر كلمة قلت فيها إن النصوص الأدبية والفكرية، بجميع صنوفها، تُعد عوالم يتداخل بعضها ببعض، لتكون وحدة فعالة في نسيج البنية السّردية، لعوالم ذاتية، وذلك لقيام حركية ناهضة في فلسفة النصوص، وبالتالي تبرز كنتاج فكري يهيمن على طابع الحياة التي يريد اصحاب تلك البنية، بناء أفق معرفي يختزل المسافات الطويلة، ليصل بالتالي إلى هدف الحياة الاسمى المراد الوصل إليه، وهو المغزى الذي يصبو اليه الكاتب - الشاعر، بثقافته ووعيه، وادراكاته الفكرية: المعرفية والفلسفية والابداعية.
وأضيف هنا إن الشعر هو ثورة احتجاج على كل نظرة قاصرة لمعنى الحياة، لأننها لم نع مفهوم الحياة بسجاياها، لهذا نتخبط في دهاليزها. ومنه نقرأ قول الشاعرة السّعد: "نلفُ أزقة الوجود/ حارتًا ضاحكة/ حتى آخر العمر" (من نص بعنوان – كاذبة أنا – ص 38 من المجموعة) وآخر أكثر من هذا المعنى وهو بعنوان "الزلال في تشهد الماء" ص 36، نقرأ المقطع هذا: "كمولود تشتاقه السماء/ تضمه إضمامة الحنايا/ اذا ما الحياة بلا ربيبٍ/ وإذا الشقيقُ غريبٍ/ وإذا الوحشة غياب". فهي صورة ضبابية مأساوية لحالة معينة، انتابت الانسان، لاسيما العالق بالغياب. هكذا جسدتها الشاعرة وربما عاشت لحظاتها وهي ترسم حروفها.
(3)
في نص عنونته الشاعرة تحت عنوان "آدم" تتحدث الشاعر فيه عن مأساة آدم ابو البشر الذي دفع ثمن خطيئته التي أرتكبها في حق نفسه، و يا ليت الأمر توقف عند هذا الحدّ فحسب، بل تحمل مغبة ذلك بنوه، أيضا، والمفروض ليس لبنيه من مغبة، لأنّ الحكمة تقول لا تزر وازرة أرتكبها شخص ما فيلحق الضرر بشخص آخر، ليس هو طرف آخر في تلك القضية!؛ إلّا إن الأمور جرت هكذا، وظلت تلك التبعات تجري إلى اليوم، بسبب تلك الخطيئة. والشاعر هنا وكأنها تذكرنا بهذا الحدث العظيم، الذي مازال تأنّ منه البشرية. "يشقيني نهرًا/ أُقيم بيته على ربوةٍ/ يقيم لي وطنًا/ ما أقسى طيّ سجل الوطن". (النص: ص 83) والوطن تعني به الشاعرة "الحبيب" بل هو أكثر من حبيب، فالإنسان بلا وطن، هو أشبه بالغريق الذي ريد الوصول إلى الجرف كي ينجو من الموت المقدّر، لكنه يزداد بُعدا كلما قلة حيلته في النجاة. "مَن يطفق بورق الشجر؟/ ويستر وجهي المقروء بالنفي من الجنة/ ورجم آدم بالزهور/ صعودا للسماء" (النص) لكن لا أمل يبدو يلوح في كبد السماء. وأي مرارة تعيشها الشاعرة وهي تكتب نصها هذا، النص الغارق بماء الشجن، وهي ترسم لوحة تراجيدية، بالوان داكنة. "أيها الزراعون/ خذوا سلال الخوص/ لا سندباد يصدفُ عنبا في الأرجاء/ بلا مرتجى يحترفُ" (النص).
(4)
تتنقل الشاعرة في نصوصها من منحى إلى آخر، وفي كل نص تجد فلسفة وجودية تخرج من بين تلك النصوص، لتحاكي قضايا هي في أمس الحاجة للطرح والموضوعية، وتأجيج الرأي أو على أقل تقدير، تندب القارئ لوقوفه إلى جنبها لألقاء تلك الأسئلة: بما يتعلق من بوح هو أشبه بالتداعي والشكوة. ففي نص بعنوان "شقيق الروح" (ص 7) نقرأ منه: قالوا أنّ ذاكرة النوى/ سليل الردى/ وليّ نبضٌ بين طيات الثرى/ مازال شاهدُ/ يشهد الثقلان أني الطعين/ بذاك الضياء".
ومن نص آخر بعنوان "هاجس ليلة عيد" ص: 51 نقرأ منه المقطع التالي: "كُل شيء يستحق الوقوف/ كُل الأسماء الموصلة بالسماء/ تزلزل الوجع فينا/ كالأنبياء". ولا أبالغ إذا قلت: أنا أشعر أن هذا المقطع يؤسس لليأس، حيث أبواب الرجاء مقفولة، فالمقطع فيه حسّ تشاؤمي، مع ذلك يُعد أجمل مقطع في هذا النص، وأن كان غارقا في الحزن، لكن "الحزن" المراد منه، هنا، المعنى العميق لمفهوم الوجود، فلإنسان كائن وجودي، هو الوحيد من دون جميع المخلوقات يتغنى بالحزن، والحزن، والحال هذه، هو مَن يشعره بإنسانيته، وبالتالي يحسس الانسان بالجانب المشرق له، حيث يأتي دور المواساة التي تطيّب خاطره، وتعيد له سموه الروحي والنفسي.
(5)
وعودة إلى ما ذكرنا، في هذا النص وغيره من النصوص الأخرى، هناك الجانب: الفني والابداعي، وكذلك النسق السردي الذي جعل من النوص تبرز بالتجدّد، والشعور بقيمة النص كمعرفة ونتاج أدبي.
ولنقرأ هذا الصورة الشعرية - الفنية من نص مغاير تحت عنوان "فتى النعاس" ص 48 تقول الشاعرة السّعد فيه "أراك سنبلة حياة/ لا تأخذ الموت على محمل الجدّ".
(6)
وأخيرا.. المجموعة الشعرية هذه "أغدًا بلا أنت" للشاعرة فراقد السعد صدرت عام 2024، وهي من منشورات أتحاد الأدباء والكتاب في العراق – المقر العام. والمجموعة من القطع المتوسط يبلغ عدد صفحاتها 86 صفحة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الرئيس السيسي يشهد فيلم تسجيلي بعنوان -الدلتا الجديدة- في فع
.. أنغام بتغني على المسرح بنفس جودة الأستوديو.. شاهد تفاصيل حفل
.. عادل إمام 60 سنة فن..الفنانة لبلبة:مافيش فنان زيه..وكان مهمو
.. مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م
.. تجهيزات ولا أروع لديكور العرض المسرحي -فرايداي-.. المخرج الم