الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يخون الوطن أبناءه

حيدر داخل الخزاعي

2025 / 5 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


لطالما يردد الحكام في بلداننا شعار الخونة، لنعت من لا يمتثلون لسلطتهم ، ولا يدينون بالولاء لهم ، لكن لم نسمع شعار خيانة الوطن لأبناءه؟
لا شك أن الوطن يمثل فضاءً للانتماء، فهو الحضن الذي يحتوي أبناءه، والمكان الذي يشعرهم بالأمان والكرامة والعدالة، لكن، قد يتحول هذا الكيان إلى مصدر للأذى بدل الأمان، وإلى سلطة للقهر بدل الرعاية، وإلى سبب للهروب بدل دافع للبقاء؟ في هذه اللحظة ، نستطيع أن نقول إن الوطن قد خان أبناءه، وإن رابط العلاقة بينهما قد مُزق.
إن خيانة الوطن لأبناءه ليست خطاباً عاطفياً، بل هي توصيف لحالة واقعية تحدث حين تعجز الدولة، بوصفها تجسيداً قانونياً للوطن، عن توفير الحقوق الأساسية لمواطنيها، أو تتورط في انتهاكها، وتتجلى هذه الخيانة بأشكال متعددة، تبدأ من الفساد المستشري الذي ينهب مقدرات الشعوب ويمنع توزيع الثروات بعدالة، مروراً بالاستبداد السياسي الذي يقمع الحريات ويكمم الأفواه، ولا تنتهي عند التمييز الاجتماعي والديني أو الإهمال المتعمد للفئات المهمشة، فحين تتحول العدالة إلى امتياز لمن يملك النفوذ، فحينها يكون الوطن قد خذل أبناءه وخانهم.
إن أشد أشكال خيانة الوطن لأبناءه هو فقدانهم الأمل، حين يشعر المواطن أن المستقبل مسدود أمامه ، وأن محاولاته للنجاح داخل بلده محكومة بالفشل ما لم يركن إلى المحسوبية أو يغادر البلاد، ومن يفعلها، لا يعتبر قد خان وطنه، بل هي شكل من أشكال النجاة، فمن يخاطرون بأرواحهم وسط أمواج البحار والمحيطات، ويجتازون الحدود والغابات، لا يفعلون ذلك طمعاً في حياة مترفة، بل يهربون من واقع مؤلم ، ومن أوطان طردتهم ببطالة طويلة الأمد، ونظم تعليمية متهالكة، وفرص لا تعترف بالكفاءة ولا تفتح الأبواب إلا لأبناء النخب.
وليس الهروب إلى الخارج أسوار الوطن هو المأساة الوحيدة، فثمة خيانة صامتة تحدث داخل الحدود ، حيث يضطر المواطنون إلى ممارسة نوع من "المنفى الداخلي"، يعيشون غرباء في أوطانهم، مقصيين عن مراكز القرار، لا صوت لهم في تحديد مصيرهم، ولا نصيب لهم في ثروات بلادهم، وهذا النوع من الاغتراب الوجودي يولد شعوراً بالغضب والمرارة، ويؤسس لنوع من الانفصال النفسي والثقافي عن فكرة الوطن ، وحينها يثبت بأن الوطن قد خان أبناءه وبالجرم المشهود.
فخيانة الوطن لأبنائه تفرغ "الوطنية" من معناها، فالوطن ليس مجرد تراب أو علم يرفرف أو نشيد يعزف ، او شعار يرفع، بل منظومة قيم، وقوانين عادلة، ومساحة للعيش بكرامة. وحين تُختزل الوطنية في شعارات جوفاء، أو تُستخدم كأداة لإسكات النقد، فإنها تتحول إلى قيد بدل أن تكون انتماءً حقيقياً، ومن هذا المنطلق، فإن من ينتقد وطنه من موقع الحرص، أو يطالب بالإصلاح من موقع المواطنة، لا ينبغي أن يُتهم بالخيانة، بل يُفترض أن يُنظر إليه باعتباره ضميراً حياً ، على الاخرين سماع صوته ، بدل تخوينه فهو ابن لهذا الوطن ولا يكون الابن عاقاً في أغلب أحيانه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 20 مصابا إثر انفجار مستودع نفطي في السليمانية بالعراق


.. -ترمب يعلن التواصل مع حماس-.. والحركة تطالبه بالضغط على إسرا




.. أسير فلسطيني محرر: فرنسا تمهد لترحيلي إلى إسرائيل


.. ترمب: إيران ينبغي أن ترفع الراية البيضاء لإعلان الاستسلام




.. قاعة احتفالات ترامب تتحول إلى معركة.. ماذا يحدث داخل البيت ا