الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اليمن… حين يكتب المنسيّ خرائط الردع الجديدة

خالد خليل

2025 / 5 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


في واحدة من أكثر لحظات الجغرافيا تقلبًا وغرابة، يقف اليمن ــ ذاك البلد المحاصر بالجوع والنسيان منذ سنوات ــ على حافة تحول جيواستراتيجي غير مسبوق. فما بين البحر الأحمر وميناء حيفا، ومن هدير السفن إلى صمت الطائرات، يعيد اليمن صياغة معادلة الردع، ويجبر العالم على الاستماع إلى نغمةٍ لم تصدر من مركز القوة، بل من هامشٍ ظنه الجميع قد احترق إلى الأبد.

من الجُرح إلى السيف: صعود غير قابل للتجاهل

ما يجري اليوم في البحر الأحمر لا يمكن اختزاله في مصطلحات عسكرية. فاليمن، الذي كان حتى الأمس القريب موضوعًا إنسانيًا على طاولة المساعدات الدولية، أرغم أقوى قوة بحرية في العالم على تغيير سلوكها، بل والدخول في هدنة فعلية، وإن لم يُعلن عنها. لم يكن ذلك نتيجة اتفاق، بل بفعل نيران دقيقة، واستراتيجية أكثر دقة، اختارت التوقيت والسياق والموقع بعناية مذهلة.

إنه تحول من الكينونة الدفاعية إلى اللحظة الهجومية الرمزية: لا مجرد إطلاق نار، بل إعادة ترتيب للمعنى نفسه.

اليمن يحاصر إسرائيل؟ تفكيك نبوءة الهيمنة

بعد فرض حظر جوي فعلي على الطيران الإسرائيلي، انتقل اليمن إلى ما هو أبعد: فرض حصار بحري على ميناء حيفا. حيفا، المدينة التي طالما شكلت شريانًا اقتصاديًا ومركزًا لوجستيًا استراتيجيًا للدولة العبرية ، باتت اليوم تعاني الاختناق، لا من قوة نووية، بل من بلد منهك لم تُفلح حملات التحالف في تركيعه.

لا يتعلق الأمر فقط بإغلاق الممرات البحرية، بل بتفكيك الرواية الصهيونية عن التفوق والسيطرة. لقد أصبح “الردع” اليمني ليس فقط ماديًا، بل معنويًا، فلسفيًا، رمزيًا. حين يُغلق باب حيفا من صنعاء، فثمة ما انكسر في الهيكل الإسرائيلي، ليس في الأجساد، بل في الذهنية.

من منطق الدولة إلى نبض التاريخ

لا يعمل اليمن بمنطق الجيوش التقليدية، ولا يخضع لحسابات التوازنات الدقيقة بين القوى الكبرى. إن ما يحدث اليوم هو تمظهر لقوة جديدة خارجة من عمق الوجدان العربي المنكوب، قوة لا تسعى للسيطرة، بل للخلخلة، لا تهدف للغلبة، بل للكشف.

إنها لحظة استثنائية في التاريخ العربي المعاصر، حيث يخرج فاعل من رحم الخسارات، ويحوّل الضعف إلى أداة استراتيجية. ولأول مرة منذ عقود، يبدو أن صوتًا غير معترف به في دوائر القرار، بات يملك القدرة على تغيير مسار الأحداث في المنطقة، بل وعلى فرض الهدوء، حين يشتد الضجيج.

الهدنة القادمة… من رحم النار

ما لم تستطع الضغوط الدولية، ولا مبادرات الوسطاء، ولا حتى تغير المزاج الغربي أن يفعله، قد تفعله الضربات اليمنية في البحر والميناء والسماء. إسرائيل، التي لم تعتد الهدنة إلا من موقع المانح، تبدو الآن في طريقها لقبولها مضطرة، بعدما باتت خاصرتها مكشوفة، وعمقها التجاري في مرمى ما لم يُحسب له حساب.

ليست هذه الهدنة القادمة ــ إن جاءت ــ مجرد فصل مؤقت في حرب طويلة، بل قد تكون، في جوهرها، بداية كتابة جديدة لمفهوم الردع في الشرق الأوسط، عنوانها الأبرز: لا أحد صغير على التأثير.

في الختام: اليمن كنبض ميتافيزيقي

ربما يكون أكثر ما يثير القشعريرة في المشهد الراهن، ليس القدرة العسكرية لليمن، بل قدرته على إدهاش النظام العالمي. فأن تنهض قوة من بين الأنقاض، وأن تجبر الكبار على إعادة حساباتهم، فذلك يعني شيئًا واحدًا:

لقد خرجت الحكاية من يد الكُتّاب التقليديين للتاريخ.
صار للجنوب العربي قلمه، وصوته، ونبوءته.

ولعل الهدنة المقبلة، إذا ما فُرضت تحت النار لا على الطاولة، ستكون أولى صفحات إنجيل جديد للمنطقة: إنجيل التحولات القادمة من حيث لا ينتظرها أحد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أوروبا تترقب اجتماعا حاسما بشأن أوكرانيا في باريس وغموض يلف


.. من واشنطن | استراتيجية ترمب.. هل يدخل العالم مرحلة صراع مفتو




.. هيئة الكوارث الإندونيسية تعلن وصول حصيلة قتلى فيضانات آتشيه


.. جولة الصحافة | موقع ذا هيل: خطة ترمب بشأن قطاع غزة لا تشكل س




.. سيدة تلد داخل سيارة أجرة -وايمو- ذاتية القيادة وتصل مولودها