الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


علّمتني قارورة صغيرة

نداء يونس

2025 / 5 / 22
الادب والفن


في وقت سابق، حين كنت أصغر سنًا، أحمل خطواتي الهشة نحو العالم - رغم تربية والدي الاستثنائية لي، وجدت نفسي كثيرًا ما أتصادم مع صور نمطية جاهزة: "المرأة لا تعرف القيادة"، "المرأة تتكلم كثيرًا"، "المرأة عاطفية"، "المرأة بحاجة إلى الآخرين دائمًا"، "المرأة تستسلم ويجب حمايتها من كل شيء وكل أحد"، "المرأة يجب أن تختبئ خلف الحجاب والخوف"، وحتى حين تكون "strong and independent"، لا بد أن تكون أيضًا "قَارُورَة" - ولو على سبيل المزاح.
لذلك، كنت دائمًا حذرة، أمشي كما لو أن الأرض زجاج. أصدقائي كثيرًا ما تساءلوا كيف أحبش قوتي وفرادتي في هشاشة يمكن لمسها، في خوف مرئي، وتردد لا يخفى.
لاحقًا، تحولت هذه القوة إلى حروب دونكيشوتية، أحاول فيها إثبات أننا لسنا ما يقولونه عنا، أن تلك الصور تم تصنيعها بعناية لتجريد المرأة من قدرتها، وتحويلها إلى كائن عاجز ومشلول ومُحجَّب — حرفيًا ورمزيًا.
عام 2014، عدت من تركيا ومعي هدية: قارورة زجاجية نُقش اسمي عليها بالزجاج أيضا - في لفتة ساحرة وغريبة. الجمال والفرح تحوّلا فجأة إلى خوف، قلق، رعب حقيقي: كيف ستصل هذه القارورة إلى فلسطين سالمة؟
في لحظةٍ ما، قررت أن أضعها كما هي، في علبتها الكرتونية الهشة، داخل حقيبة السفر. كان القرار نوعًا من التسليم، بدلًا من التخلص منها. وفوجئت: وصلت سالمة: جميلة وكاملة.
غيرتني هذه القارورة. منحتني قناعةً عميقة: لستُ مجبرة على خوض معارك لأثبت للآخرين من أنا، ما دمت أنا أعرف نفسي جيدًا.
حينها، قررت ألا أخذل المنمطين — سواء كانوا أصدقاءً أو أعداء — وبدأت أعيش كل ما يصفونه بالنقيصة: أتحدث كثيرًا، وأحمل دائمًا شريط بانادول لمن يشكو من صداع - لأن هناك حلًا دائمًا، لكن ليس أنا. أتحرك كثيرًا، وأكشف وجهي للشمس — ومن لا يحب الشمس، فليُخفِ وجهه عني، هناك حل دائما لكن ليس أنا. أقود السيارة باستخفاف وتهور - رغم أنني محترفة. ومن لا يعجبه، فليغير مساره أو يتوقف حتى أمرّ، هناك دائمًا حل، لكن ليس أنا. أحب وأكتب ما أشاء - ومن لا يعجبه، يمكنه الذهاب إلى الشعر المدجّن، ذلك الذي يُربّى في البيوت البلاستيكية للتصدير الجماهيري، أو في أقفاص الدجاج تحت ضوء خافت لتكثير عدد "البيض"، أقصد القصائد المعدة للاستهلاك البشري. هناك دائمًا حل، لكن ليس أنا.
علّمتني قارورة صغيرة من الزجاج أن التصورات المسبقة ليست فقط خاطئة، بل مُهينة في كثير من الأحيان. الصور النمطية قلة احترام، وقلة ذوق، وجهل بطبيعة الأشياء، وأن هناك حل دا-ما حتى لو كانت صحيحة، هناك دائمًا حل، لكن ليس أنا.
وحتى يتعلم العالم كيف يتعامل بذوق مع القوارير ومع الهشاشة البشرية والأخطاء - أيا كانت، فلتكن القوارير كما هي: هشة، صلبة، مشعة، متشققة، سالمة، أو حتى مكسورة - لأن التهشم جزءٌ أصيل من الحياة، ومن طبيعتنا نحن أيضًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كريستوفر نولان مخرج فيلم -الأوديسة- يتحدث لشبكتنا عن تأثير ا


.. ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك




.. وفاءً لمسيرته.. مركز عبدالرحمن كانو الثقافي يقيم حفل تأبين ل


.. باحث في العلاقات الدولية: واشنطن تعقد مفاوضات هرمز وتفقد الر




.. الشاعر الشاب منصور جابر منصور المري يشارك بقصيدته في «قدها ج