الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الإيمان والثقافة والقيم والاقتصاد
محمود يوسف بكير
2025 / 5 / 23قضايا ثقافية
العلاقة بين الإيمان والثقافة والقيم والاقتصاد علاقة هامة جدا ويهتم بها أحد فروع علم الاقتصاد وهو الاقتصاد السلوكي وهو الفرع الذي تستخدمه كل شركات السوشيال ميديا لتتبع سلوكنا ومعرفة أذواقنا وهو ما يمكنها من تصميم الألوجوريزم المناسب لتسويق برامجها إلينا وتغيير سلوكنا وعادتنا وذلك لتحقيق أكبر ربح ممكن. كما أن فهم العلاقة بينهم يمكن الاقتصادين من تصميم السياسات النقدية والمالية التي تساعد على إنجاح عملية التنمية المستدامة والنهوض بالاقتصاد.
أما نحن كافراد وتخصصات مختلفة فإنه يمكننا أيضا أن نستفيد من معرفة نوع العلاقة بين هذه المتغيرات المعقدة وكيف تتداخل وتؤثر على بعضها البعض وهذا يفيدنا في التعامل مع الأخرين وتحسين علاقتنا بهم من اجل النجاح والنهوض بأنفسنا.
المقال عبارة عن محاولة مبسطة واجتهاد شخصي مفتوح للنقاش لفهم نوع العلاقة بين هذه المتغيرات المعقدة والتي ترسم حياتنا ومن منها يؤثر في الآخر.
أما عن الإيمان "والدين أحد مكوناته" فإنه بحسب معرفتي المحدودة أو قناعاتي الشخصية فإنه هو تقبل أو حب الإنسان لأي شيء مادي أو معنوي حبا قويا دون الحاجة لأي دليل أو منطق على صحته. بمعنى أنه نوع من الإيمان الوراثي الذي لا يحتاج لأي تفكير أو كما نقول بالبلدي الايمان العمياني. وقد لاحظنا أن الإيمان بمبادئ مشتركة أو وحدة الاعتقاد يمكن أن يكون له دور بناء في العلاقات الاقتصادية على المستوى الفردي والدولي لان العلاقات الاقتصادية والتجارية الناجحة تقوم على الثقة بشكل أساسي والإيمان المشترك أو ما نسميه برأس المال الاجتماعي يساعد على هذا مثلما نرى في الاتحاد الأوروبي المسيحي لم يقبل عضوية تركيا المسلمة لاختلافها عن دول الاتحاد في ثقافتها وعاداتها وتقاليدها وليس لشيء آخر. ومن الأمثلة الأخرى ما نراه في البنوك الإسلامية التي لا يتعامل معها إلا المسلمون لثقتهم فيها واتفاقها مع معتقداتهم، بينما لا يتعامل معها المسيحيون ليس لعدم ثقتهم بها ولكن لاختلافها مع معتقداتهم. ولكن الإيمان المشترك ليس مثالياً دائما لانه قيد يستغل للنصب والأحتيال كما حدث مع شركات توظيف الأموال في مصر من عقود، وكما حدث في الغرب وأمريكا مع بعض البنوك المسيحية الصغيرة التي نصبت على عملائها. وهناك علاقة وثيقة بين المتاجرين بالأديان وبين الاقتصاد حيث يحقق هؤلاء أرباحا ضخمة بما يخلقونه من رواج اقتصادي في المناسبات والاحتفالات والطقوس الدينية حتى أن الناس عبر العالم أصبحوا يحتفلون بالمناسبات الدينية على أنها مناسبات للتسوق بشكل أساسي.
أما بالنسبة لتأثير الدين على الثقافة السائدة فأنه كان كبيرا، ولكنه في تراجع مستمر وهو ما يضعنا أمام سؤال هام وهو هل أصبح للثقافة تأثير أكبر على الدين خاصة في عصر الإنترنت؟ والإجابة نعم كما نعتقد، لأن الثقافة السائدة والمسيطرة الآن على الجميع هي ثقافة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. ويتساوى في هذا الأباء والأمهات والأبناء، وأماكن العمل، والمدارس، والجامعات.. إلخ والسؤال الآخر هنا، هل يعني تراجع دور الأديان أنها في طريقها للانقراض؟ وهنا أقول بثقة لا، لأن الإنسان بطبعة يحتاج إلى من يعينه عندما يظلم وفي وقت الأزمات والمرض والمصائب والوحدة، وهنا يكون أكبر معين للناس هو الدين والإله، حتى ولو لم يستجب لدعائنا بالرغم من أنه يطلب منا نحن أن نثبت وجوده، ومع هذا فإننا نظل قانعين بإن الإله سوف يتدخل بطريقة ما لصالحنا. أما عن الثقافة فإنها أكثر شمولا من الإيمان لأنها تحتوي على الأدب والفنون بكل أنواعها مثل الموسيقى والغناء والسينما والمسرح والأفكار والابتكارات ومستوى إستنارة الناس وطريقة التفكير والتعامل مع المرأة. والأقليات. والتعليم هنا يلعب دورا مهما في الرقي بمستوى الثقافة السائدة في أي مجتمع، فعندما يتدهور مستوى التعليم يكون لهذا أثر سيئ على الثقافة السائدة وعلى سلوك الناس وطريقة التفكير، مثل أن تلتقي بشخص يقول لك أن الفنون بكل أشكالها حرام فإنك أمام شخص ضيق الأفق والحديث معه غير مجدي وهذا ما نراه بالفعل في المتدينين المتطرفين في كل الأديان، وهؤلاء ضد التغييرلإن ثقافتهم تعتبر أنه مخالف للإرادة الإلهية ومثل هذه العقليّات المغلقة تشل القدرة على الأبداع ولا تفيد مجتمعاتها إلا ما ندر.
والثقافة أيضا ترفع مستوى الحس الإنساني فيما يتعلق بمساعدة الضعفاء والمظلومين. وهنا نرى التداخل بين الثقافة والأديان حيث يؤثر كلاهما على بعضهم البعض. أما عن علاقة الثقافة بالاقتصاد فإنها علاقة قوية لأن الثقافة تؤثر على السلوك الاقتصادي للإنسان فالمثقف عادة ما يميل إلى الادخار وعدم التبذير والاستهلاك المعقول والعقلاني، وهذه يساعد المجتمع على النمو والتقدم. ولأن المثقف عادة ما يكون قارئا ومطلعا على ما يحدث حوله يكون له أثرا مضاعفا على من حوله لأن الناس بفطرتها تميل إلى التعلم من المثقف وهو ما يرفع وعيهم ولهذا تاثير إيجابي أيضا على الأداء الاقتصادي للدول. ولا ينبغي هنا إن ننسى أن عصر النهضة في أوروبا وما جلبه من تغيير في ثقافة الإنسان وزيادة وعيهم هو ما أدى إلى نهوضها. كما أن ثقافة العولمة أدت إلى تقدم العديد من الدول الفقيرة وخروجها من دائرة الفقر.
أما عن القيم الإنسانية فإن البعض ينظر إليها على أنها الثقافة الشائعة بين الناس أو المعتقدات التي تميزهم عن الآخرين. ويفترض في القيم أن تكون جيدة لأنها تشتمل على الضمير العميق داخل نفوسنا وهذا الضمير أقوى من كل الأديان لأن الدين يمكن أن يتم التلاعب في تفسيره وطريقة تطبيقه لانه لا ينطق. ولكن الإنسان لا يستطيع أن يخدع نفسه عندما يكون ذو ضمير حي.
ومن القيم أيضا أن هناك مجتمعات تعلى من قيمة الفرد وحقوقه مثل الغرب بشكل عام بينما هناك مجتمعات تعلي من شأن الجماعة والتعاون بين الناس مثل اليابان.
وعلاقة القيم بالاقتصاد علاقة مهمة لأنها تحد من الفساد والتعدي على حقوق الآخرين فالتاجر الغشاش والحرامي والمغتصب يمكن أن يعجز الدين عن إصلاح أحوالهم، ولكن الضمير الحي الذي لا يمت بعد يمكن أن يصلح ما أفسدته الظروف الاقتصادية والاجتماعية لهؤلاء. والقيم نرثها من الأسرة والبيئة والمجتمع الذي نولد فيه، وعلى سبيل المثال فإن البنت المسكينة التي تولد لاب مجرم وأم عاهرة سوف تجبرها الظروف والبيئة السيئة التي ولدت فيها على أن تنحرف هي الأخرى، بمعنى أنه من المستحيل تصور أن تصبح أستاذة جامعية أو طبيبة. ومن ثم فإننا جميعا نتاج الصدفة والظروف الخارج عن إرادتنا. أيضا ومن خلال تجربتي الشخصية مع أناس وملل مختلفة لاحظت أن القيم يمكن أن تتغير مع تغير الظروف الاقتصادية فكم من أناس التقيت بهم وهم متوسطي الحال وفي غاية اللطف، ولكن ما ان ابتسم الحظ لهم وأصبحوا أغنياء إلا وتحولوا إلى ما يشبه الوحوش من فرط الطمع والأنانية. وهنا نجد أنفسنا أمام حقيقة أن الاقتصاد بتقلباته يمكن أن يغير قيم إلناس وسلوكهم، وعلى سبيل المثال فإن الإنسان الجائع والمهدد بالموت ينسى كل القيم ويتحول إلى ما يشبه الحيوان. والخلاصة أن العلاقة بين الإيمان والثقافة والقيم والاقتصاد علاقة معقدة ومتداخلة وهي تؤثر على بعضها البعض. وبعد فعندما ذهبت لألمانيا الغربية وكانت أول بلد أوروبي أراه في حياتي وأنا في منتصف العشرينات في العمر، أصبت بصدمة حضارية هائلة فقد وجدت أن الإيمان والثقافة والقيم والاقتصاد وطريقة التدريس تختلف تماما عن مصر في كل شيء وكان أول ما تعلمته إن ثقافة وتنمية الشعوب أقل بكثير من تكلفة قمعها.
بخصوص الأخوة الأعزاء سامي لبيب ومنير كريم والذين نفتقدهم ونتمنى أن يكونوا بخير، وفي هذا فقد تواصلت مع الصديق العزيز الاستاذ رزكار عقراوي لمعرفة ما إذا كانت هناك أي أخبار عن غيابهما فأفادني بأن إدارة الحوار حاولت الوصول إليهما دون نجاح وهو نفس ما حدث معي، ولذلك أتمنى على كل القراء الأعزاء الذين يعرفون أي شيء عنهما أن يبلغونا بهذا من أجل الاطمئنان عليها. مع كل الشكر والتقدير
مستشار اقتصادي
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - أالاقتصاد ينافس السياسة بالتلاعب بالايمان و بالقيم
د. لبيب سلطان
(
2025 / 5 / 23 - 09:18
)
تحية للدكتور محمود بكير وهذه المقالة الجميلة والمربكة بان واحد .جميلة بتفصيل اثر الاقتصاد على الايمان والثقافة والقيم ونحن نعلم ان علم التسويق يستغلها جميعها لزيادة المبيعات ( لا يكفي الصين انتاج النعل والدشاديش للمنطقة العربية بل سجادات ايمانية ذات بوصلة تشير الاتجاه القبلة مثلا) ولكني لا اجد علاقة مع القيم والتي بفهمي انها فردية مثل الصدق والكرم والشجاعةوا لشرف في قول الحق الخ فكيف يؤثر بها الاقتصاد ...ربما التقاليد او الاعراف الاجتماعية المقصود كقيم اجتماعية وهنا تصبح مثل السياسة التي تستخدم الايمان والقيم كشعارات للوصول لاهدافها وهي مستعدة للدوس علىيها ان تطلب ذلك ..لم يخطر ببالي يوما ان عدا السياسة سيكوة الاقتصاد هو من يتلاعب بها( كونها خارج موضوعه ) ولكن مقالة الدكتور اثارت حب الفضول واجد ان صياغة ثقافة فئات اجتماعية باكملها اليوم كثقافة الاستهلاك اصبح يباري صياغة الشعبوية في السياسة مثلا لاستغلال الايمان والقيم الاجتماعية ..اي مايتركه الاسد يأكله الضبع في تقاسم الادوار حول العلاقة بين السياسة والاقتصاد في استغلال الثقافة والقيم والتقاليد
استاذ منير بخير كتب تعليقا مؤخرا
2 - د.لبيب سلطان
محمود يوسف بكير
(
2025 / 5 / 23 - 14:13
)
شكرا جزيلا على تعليقك، نعم القيم الفردية هي الأساس وقد ركزت في المقال على أهم مكوناتها هو الضمير الانساني ،ولكن هناك أيضا قيم مجتمعية قد ذكرت مثالا عنها في اعلاء قيمة الفرد وحقوقه في الغرب عكس اليابان فإنها تعلي الجماعة على الفرد ومن السلوكيات المدهشة في هذا إن التلميذ الشاطر في الرياضيات يطلبون منه في المدرسة أن يساعد زملاءه الذين يعانون من صعوبتها. ولهذه الفيم المجتمعية آثار على المجتمع والاقتصاد من حيث الانتاجية بالطبع إما سلبية أو إجابية. مع أطيب التحيات والامنيات وشكرا على إبلاغي بأن الاستاذ منير كريم بخير
3 - د. لبيب سلطان
محمود يوسف بكير
(
2025 / 5 / 23 - 18:12
)
د. لبيب سلطان
شكرا جزيلا على تعليقك، نعم القيم الفردية هي الأساس وقد ركزت في المقال على أهم مكوناتها هو الضمير الانساني ،ولكن هناك أيضا قيم مجتمعية قد ذكرت مثالا عنها في اعلاء قيمة الفرد وحقوقه في الغرب عكس اليابان فإنها تعلي الجماعة على الفرد ومن السلوكيات المدهشة في هذا إن التلميذ الشاطر في الرياضيات يطلبون منه في المدرسة أن يساعد زملاءه الذين يعانون من صعوبتها. ولهذه الفيم المجتمعية آثار على المجتمع والاقتصاد من حيث الانتاجية بالطبع إما سلبية أو إجابية. مع أطيب التحيات والامنيات وشكرا على إبلاغي بأن الاستاذ منير كريم بخير
4 - عالمنا الذى نعيش فيه
على سالم
(
2025 / 5 / 24 - 04:33
)
استاذ محمود بكير , سيادتك اشرت الى نقطه محوريه عندما ذكرت تجربه سفرك الاولى الى المانيا وهناك وجدت اختلاف كلى وجوهرى سواء كان سياسى او اقتصادى او اخلاقى ومجتمعى وأصبت بحاله من الذهول عندما قارنت دولتنا مصر المتخلفه والمانيا الااوربيه ووجدت فروق هائله ومحوريه بينهم , اكيد اول تجربه لسفرك الى دوله اوربيه والانطباع الصادم كان واضح وجلى , الان المصرى العادى والذى لم يترك بلده ابدا فأنه اكيد تلقى غسيل عقلى ايمانى مكثف ويعتقد فى قراره نفسه انه يملك الحقيقه المطلقه فى الوجود , اما الشخص الذى حاول ان يعرف الفروقات بين دولته واى دوله اخرى وسافر وقارن ودرس وفهم اكيد استفاد فائده عظيمه , هنا يبرز السؤال لماذا مصر او اى دوله عروبيه دول متخلفه وجاهله وجاهله وجائعه حيث الميتافيزيقيا الدينيه هنا لها اثار عظيمه على طريقه تفكيره النمطى المتخلف وكيف وصل بنا حالنا المزرى ان كل الشباب المصرى يعمل المستحيل لكى يترك بلده العقيم الفاسد ويقصد اى دوله اوربيه لكى يحسن من حالته الاقتصاديه والنفسيه والماديه وان كان نسبه كبيره منهم تلتهمهم الاسماك فى عمق البحر المتوسط وهذه اكيد كارثه مجتمعيه محزنه
5 - الاستاذ علي سالم
محمود يوسف بكير
(
2025 / 5 / 24 - 08:54
)
شكرا على تعليقك القيم والذي يثير الأسى والحزن على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في بلدنا الحبيب مصر. وسؤالك عما حدث لنا وما الفارق بيننا وبين ألمانيا هو سؤال حيرنا جميعا ولذلك كتبت في آخر المقال الإجابة في عدة كلمات، وأود هنا أن أستفيض فيها قليلا، ألمانيا تم تدميرها من الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية خاصة من قبل الروس كما تم تقسيمها، وبالرغم من هذا نهضت بسرعة غير عادية وأصبحت رابع أكبر اقتصاد في العالم، بينما بدأت مصر في الانهيار السريع بعد انقلاب عبد الناصر في نفس الفترة تقريبا والسبب هو الفارق بين نظام الحكم في البلدين، ألمانيا تحولت إلى دولة ديمقراطية بعد هتلر ومصر تحولت إلى دولة يحكمها العسكري بعد أن كانت ديمقراطية أيام الملكية، ونجح عبد الناصر في إرساء دعائم الاستبداد بسرعة مذهلة وأنت تعرف التفاصيل وهي تحتاج إلى كتاب. وباختصار شديد فإن كل الأنظمة الاستبدادية القائمة على القهر تتميز بالفساد وسوء الإدارة وسيادة الخوف بين الناس فلا أحد يستطيع أن يفتح فمه، وهي توليفة لا تؤدي سوى للفقر والبؤس وعوضنا على الله.
6 - رسالة لإدارة الحوار
محمود يوسف بكير
(
2025 / 5 / 24 - 09:46
)
الإخوة الاعزاء في إدارة الحوار ، إود إحاطتكم علما بإنه على ما يبدو هنالك مشكلة فنية لأنني أرسلت ردا لأحد القرأء أمس إستغرق حوالي خمس ساعات حتى نشر واليوم أرسلت تعقيبا آخر منذ ساعة ونصف لم ينشر كما أن خاصية أن يقوم الكاتب بنشر التعليقات من جانبه على ما يبدو متوقفة. شكرا على مجهودكم الكبير معنا وعلى تفهمكم
.. عاجل | التلفزيون الإيراني: دوي انفجارين جديدين في مدينة جاسك
.. التلفزيون الإيراني: انفجار جنوبي خوزستان دون تسجيل خسائر بشر
.. ضحايا زلزالي فنزويلا يتخطى 4 آلاف قتيل
.. إيران وعمان يبحثان آلية لعبور السفن من مضيق هرمز
.. انفجارات عنيفة تهز مدنا وموانئ في محافظتين جنوبي إيران