الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جريمة العصر الناعمه… (تهميش وتسطيح الوعي)

عماد السامرائي

2025 / 5 / 23
قضايا ثقافية




بدأً لابد من الوقوف عند أبسط مفهوم للوعي، إذ يمكننا القول هنا ( الوعي هو قدرة الإنسان على إدراك ذاته والعالم من حوله، وتحليله للظواهر لكي يستطيع ان يتخذ مواقف عقلانية واخلاقية)، وبالضرورة فإن العكس من ذلك هو التهميش بحد ذاته للوعي،حيث يأتي عن طريق إقصاء هذه القدرة وتعطيلها الأمر الذي يجعل الأفراد داخل المجتمع غير فعالين،هناك وسائل متعددة لتحقيق ذلك مثلاً عن طريق فرض نمط معين من التفكير أو منع التفكير أساساً، أما معنى تسطيح الوعي فهو الاختزال الواضح لنفس الظواهر والتي هي بطبيعة الحال معقده من خلال تحويلها إلى قوالب سطحية مبنية على العاطفة والانفعال بدلاً من التحليل المغرق بالتأمل.
بالتأكيد هناك أدوات لتفعيل تسطيح الوعي، فالإعلام الجماهيري هو مثال حي والذي تلعب القنوات أو الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً فيه من خلال تشكيل رأي عام حوله والعمل على بناء الخطاب التجاري الاستهلاكي المكرس للنماذج النمطية المكرره بغية إعادة تدوير الجهل، وهناك أيضاً البرامج الترفيهية السطحية والتريندات اللحظية حيث تعمل جميعها مجتمعة على اختزال الواقع وتفكيكه من خلال تحويله إلى مشاهد فاقده للعمق.لا ننسى هنا ايضاً دور الخطاب الديني والسياسي الموجه القائم على توظيف الدين والسياسة لأغراض سلطويه التي بدورها تعمل على إعادة تشكيل الوعي الجمعي لخدمة مصلحه معينه.
بعد عرض هذه المقدمة البسيطة التي اختصرت على توضيح مفردات العنوان المتقاطعة نجدها وهي تعمل مجتمعه على هيئة منظومة تسعى إلى تفريغ الإنسان من وعيه التأريخي والنقدي وبالنتيجة تستطيع ان تحوله لكائن سلبي عليه تقبل الواقع كما هو أو كما مخطط له ان يكون للتمكن على تهريبه طوعياً ليكون جزء من مجموعة أفتراضية استهلاكية تم الإعداد لها مسبقاً، يختل من خلالها التوازن المجتمعي الذي يغيب فيه العقل وهذا هو المطلوب تماماً ليسمو ويعلو ضجيج العواطف الجوفاء وضياع القضايا المصيرية بين السخرية العامه والصمت النخبوي. ولا ننسى ايضاً ذلك الأثر الكبير الذي يحدثه تهميش الوعي حول مسئلة الهوية الثقافي وكيف نجدها وهي تتفكك عندما تغدو المجتمعات منتفحة شكلياً ومنغلقة جوهرياً حيث نجدها وهي تستهلك الثقافة الغربية دون أن تمتلك الاستيعاب والنقد الأمر الذي يشوه صورة وعي الأجيال ويحعلها مزدوجة ما بين التقليد المستورد والتراث الغير مفكك.
هنا يجب علينا الاعتراف اولاً بوجود التحديات التي تدعونا لاستعادة الوعي المسلوب ولن يتم ذلك عبر الشكوى أو الرفض الخطابي بل يأتي ذلك عن طريق مشروع ثقافي معرفي معاصر يؤسس من خلاله لمجتمع متعلم مسؤول وحُر يدعمه الإعلام الجاد والمسؤول الذي يقدر ويحترم عقل المتلقي عن طريق منحه أدوات الفهم والإدراك،مع ترسيخ ثقافة الحوار والاختلاف بدلاً من ثقافة الاصطفاف والانغلاق التلقينية.
ختاماً، المعركة الحقيقة اليوم لا تقتصر فقط على ميادين السياسة أو الاقتصاد، بل يعد تهميش وتسطيح الوعي ليست مجرد أعراض بل هي أليات سلطوية ناعمه تُفرض ويعاد إنتاجها بإستمرار لتكريس مفاهيم التبعية الفكرية والركود الاجتماعي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كوباني تشتعل.. هل بدأ اختبار دمج قسد بالدولة السورية؟ | نيوز


.. روسيا تقترب من حدود الناتو.. كيف سترد أوروبا؟ | #التاسعة




.. المقابلة - حرب هرمز ومستقبل الأزمات العربية.. مع الأمين العا


.. نافذة من لبنان - الرئيس اللبناني ينفي وجود مفاوضات حالية مع




.. العالم الليلة | ضربات جوية تحاصر الحوثيين.. وترمب يحدد موعد