الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
-المتشابهون-: احتجاج ناعم على صمت الأجيال
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2025 / 5 / 23
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
في رواية "المتشابهون"، يخطو أحمد طايل خطوة هادئة لكنها واثقة نحو قلب التحولات الاجتماعية المعاصرة، عاقدًا العزم على مساءلة ما يُظن أنه ثابت: العلاقات، القيم، والهوية. ومنذ عتبة العنوان، يشرع القارئ في تلقي عمل يتجاوز السرد إلى التأمل، إذ لا يبدو "التشابه" عند طايل مجرد تقاطع في الملامح أو الحكايات، بل هو استعارة كبرى تعيد مساءلة مفهوم "الواحد المتعدد"، "الجيل المنقسم"، و"المرآة التي لا تعكس سوى الغياب".
يُجسد طايل تشابك الأجيال بأسلوب فني يعيد تشكيل بنية الأسرة العربية في لحظة ما بعد حداثية، حيث لم يعد "الجد" حامل الحكمة، ولا "الحفيد" تكرارًا مخلصًا لأصله. في هذا السياق، يظهر السرد وكأنه شريط ممتد، يحاول فيه السارد أن يقبض على جوهر التبدلات المتلاحقة، عبر شخصيات تبدو للوهلة الأولى نماذج نمطية، لكنها سرعان ما تتجاوز ذلك لتصبح نقاط ارتكاز لتجريب فلسفي ناعم. ثنائية الجد والحفيد، الأب والابن، لا تُقدَّم بوصفها علاقات بيولوجية فقط، بل تُعاد صياغتها رمزيًا، في نوع من المحاكمة الرمزية للزمن.
الرواية محكومة بإيقاع خاص، إيقاع التكرار الماكر، حيث تعود الجمل والأفكار على نحو يوهم بالاستقرار، لكنه يخفي تحت سطحه تمردًا خفيًا. التكرار هنا ليس عيبًا سرديًا بل أداة استبطانية، تُمارس وظيفتها في تعرية المعنى وإفراغ الكلمات من زخرفها الزمني. كل عودة إلى جملة سابقة هي عودة مثقلة بالتحول، بالمفارقة، وبالإقرار بأن التشابه قد يكون وهما كبيرًا، وأن الثابت ليس إلا متغيرًا في ثوب قديم.
يستلهم طايل مرجعيات ثقافية وفنية متباينة، من أم كلثوم إلى درويش، من الحنين الشعبي إلى الموروث الأدبي، دون أن ينزلق إلى المباشرة أو البكائيات. بل يمنح هذه الرموز أدوارًا وظيفية في بناء المشهد الثقافي الذي تنهض عليه الرواية، في محاولتها العميقة لاستعادة ما ضاع، لا عبر تمجيده، بل عبر مساءلته بلطف، وبنبرة حزينة أشبه بنداء من مكان بعيد.
اللغة في "المتشابهون" ذات نبرة شفافة، تحاكي البوح، ولا تختبئ خلف الزخرفة. لكنها في الآن ذاته مشحونة بدينامية داخلية تجعل من البساطة حيلة بلاغية، لا ضعفًا لغويًا. الجملة الروائية عند طايل تتقاطع مع الشعر، لا في التفعيلة، بل في الإيقاع الداخلي، وفي قدرتها على احتواء الهاجس الوجودي داخل تجربة يومية مألوفة.
رغم كل ما تتيحه الرواية من تأملات، فهي لا تغرق في التجريد. ثمة قصص تُروى، وشخصيات تتحرك، وحيوات تُستعاد، لكنها كلها تُساق لتخدم سؤالًا واحدًا: ما الذي يجعلنا "نبدو" متشابهين بينما نحن نتمزق بصمت؟ في هذا الإطار، تتحول الرواية إلى ما يشبه "مانفيستو سردي" ضد الاستنساخ الثقافي، وضد الاغتراب الذي يرتدي ثياب الألفة.
الرهان في هذا العمل ليس فنيًا فقط، بل هو رهان على ذاكرة جمعية مهددة بالتآكل، على مجتمعٍ يعيش على الحنين ولا يجرؤ على مساءلته. وبهذا المعنى، فإن "المتشابهون" ليست فقط سردًا لوقائع، بل هي احتجاج ناعم على صمتٍ طويل، ونداءٌ إلى جيل لم يعد يشبه أحدًا، ولا حتى نفسه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حصار أميركي شامل على موانئ إيران.. هل تتمكن واشنطن من ليّ ذر
.. نقاش الساعة - هل أزمة مضيق هرمز مستحدثة أم امتداد لتوترات سا
.. نقاش الساعة - منشأة جبل الفأس.. تحصينات مرتبطة بتخصيب اليورا
.. نافذة من بيروت | شروط لبنان في جولة المفاوضات الجديدة مع إسر
.. القيادة المركزية الأمريكية: استأنفنا فرض الحصار البحري على إ