الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لبنان في عين عاصفة التحولات الكبرى: حزب الله بين نتائج الحرب وحدود السلاح

خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)

2025 / 5 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


تعيش المنطقة لحظة مفصلية من التفات الأمس وتبدل في أولويات القوى الفاعلة، وكان للبنان – كعادته – موقع متقدم في عين هذه العاصفة. فقد أثرت نتائج حرب الإسناد الأخيرة، التي خاضها حزب الله على الحدود الجنوبية دعمًا للمقاومة الفلسطينية، على موقع الحزب وموقفه داخليًا وخارجيًا، وطرحت تساؤلات حول جدوى هذا الانخراط وحدوده.

فمن جهة، أدّت التعقيدات الأمنية والسياسية إلى إخراج الحزب تدريجيًا من المعركة، في ظل توازنات دقيقة فرضها الردع المتبادل مع إسرائيل. ومن جهة أخرى، بدا أن “محور المقاومة”، الذي طالما قدمه الحزب كمرجعية استراتيجية، يمرّ بحالة كمون أو إعادة تموضع، خاصة مع التغير في مقاربة طهران الإقليمية.

وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل ما زالت إيران فعلًا تتبنى مشروع “محور المقاومة” بصيغته السابقة؟ أم أن انشغالها بملفها النووي ومساعيها لتفادي الانهيار الاقتصادي والسياسي يدفعها إلى التعامل مع قضايا مثل فلسطين وسوريا ولبنان بوصفها أوراق تفاوض تكتيكية لا أكثر؟ وهل لا تزال الأرض العربية – بما فيها فلسطين – أولوية استراتيجية حقيقية في الأجندة الإيرانية، أم أنها باتت جزءًا من السوق الجيوسياسي الذي تُساوم عليه طهران في مفاوضاتها مع الغرب؟

في ضوء هذه الأسئلة، يغدو من الملحّ إعادة النظر في موقع حزب الله ضمن هذا المشهد المتبدل، وفي وظيفة سلاحه التي لم تعد قادرة على التكيف مع واقع سياسي متحول. فالسلاح الذي نشأ من رحم الصراع مع إسرائيل لا يجب أن يُستثمر في الداخل، ولا أن يُربط بأجندات خارجية غير واضحة الاتجاه. المطلوب اليوم تنظيم هذا السلاح ضمن استراتيجية دفاعية واضحة، تُبنى على شراكة حقيقية مع الجيش اللبناني، وتُحدد وظيفته في مواجهة التهديدات الإسرائيلية فحسب.

لقد أثبتت التجربة أن العدو الصهيوني لم يتوقف يومًا عن الطمع بثروات لبنان البحرية ومياهه الجنوبية، ولا عن اختراق أمنه واختبار ردعه. من هنا، فإن سلاح المقاومة، عندما يُضبط ضمن خطة وطنية واضحة بالتكامل مع الجيش اللبناني، يصبح عنصر قوة لا تهديد، ودرعًا حقيقيًا في وجه الاحتلال لا أداة للابتزاز الداخلي.

ما يُطلب اليوم ليس تفكيك المقاومة، بل تحريرها من التبعية الخارجية، وتوجيهها نحو وظيفة دفاعية محصورة، لا تُستثمر سياسيًا، ولا تُستخدم إلا بموجب قرار وطني واضح. وهي خطوة تتطلب تفاهمًا داخليًا على مفهوم الأمن القومي، وعلى أولويات الصراع مع العدو، بما يضمن أن تبقى بندقية المقاومة مُصوّبة فقط نحو من يحتل الأرض ويطمع في الثروة والسيادة.

لكن أي حديث عن “استراتيجية دفاعية وطنية” لا يمكن أن يكتمل دون التوقف عند التحديات السياسية الفعلية التي تقف في وجه تحقيقها. هنا يُطرح سؤال بالغ الأهمية: هل تسمح موازين القوى الداخلية، والنفوذ الأميركي والغربي المتزايد على بعض القوى السياسية اللبنانية المناهضة للمقاومة، ببلورة مثل هذه الشراكة الدفاعية؟

فالمعروف أن واشنطن وعواصم القرار الغربي لطالما ضغطت من أجل تحجيم حزب الله ونزع سلاحه تحت عناوين شتى، من “السيادة” إلى “الإصلاح”، بينما دعمت ضمنيًا قوى لبنانية تسعى إلى عزل الحزب لا إلى دمجه ضمن منظومة وطنية موحدة. وهذه القوى، التي تقدم نفسها بصفتها حامية للدولة ومؤسساتها، يُطرح حولها تساؤل مشروع: هل تعمل فعلاً من أجل وحدة لبنان، أرضًا وشعبًا ومؤسسات، أم أن قرارها السياسي مرتهن لإملاءات خارجية، تعطل أي مقاربة وطنية جامعة للصراع مع إسرائيل؟

إذا كانت الاستراتيجية الدفاعية الوطنية تفترض اتفاقاً داخليًا على العدو، وعلى حدود استخدام القوة، فإن التعطيل المزمن لأي حوار جاد حول هذا الملف، ورفض بعض القوى حتى مناقشة مبدأ تنظيم السلاح، يكشفان عن خلل عميق في مفهوم السيادة الوطنية نفسه. إذ لا يمكن الحديث عن دولة قوية فيما قرار المواجهة مع العدو مُجزأ، والسلاح الوحيد الذي أرهب إسرائيل يُطلب شلّه دون تقديم بديل فعّال.

من هنا، فإن بناء استراتيجية دفاعية لبنانية ليس مهمة تقنية بل سياسية بامتياز، تتطلب فك الارتباط بين القرار الوطني والإرادات الأجنبية، تمامًا كما تتطلب من حزب الله نفسه أن يُعيد تعريف موقعه خارج منطق المحور، وداخل منطق الدولة.

في ظل عاصفة التحولات الكبرى، لا بد من خطاب لبناني جديد، يُقر بدور المقاومة في حماية لبنان، لكن يربط هذا الدور بالشرعية الوطنية وحدها، لا بحسابات محاور انتهت أو تتفكك. سلاح حزب الله، حين يُدرج في استراتيجية دفاعية لبنانية شاملة، يصبح ضرورة وطنية لا عبئاً، وضمانة للردع لا مصدر قلق. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي على اللبنانيين أن يواجهوه بشجاعة وعقلانية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حصري.. شبكتنا توثق حجم الدمار الذي خلفته غارة أمريكية على جس


.. جدل سياسي في لبنان بعد جولة التفاوض المباشر مع إسرائيل




.. زيارة غير معلنة لوزير الداخلية الباكستاني إلى طهران


.. كوبا تواجه أزمة وقود حادة واحتجاجات ضد العقوبات الأمريكية




.. ترمب يعلن القضاء على الرجل الثاني في داعش.. وحماس تؤكد مقتل