الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حكايات الهدوء النبيل في زمن الاضطراب: تأملات الناصر التومي في رواية أحمد طايل
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2025 / 5 / 24
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
أحمد الطايل يرسم بأريحية كبيرة عالم الثلث الأول من القرن العشرين بمصر في ريفها وبين عائلاتها الثرية والفقيرة حياتهم وعلاقاتهم أفراحهم وأتراحهم دون تنغيص تلك الحياة بمآسي وفواجع باستثناء أحداث الموت الطبيعية التي يتقبلونها كقضاء وقدر.
تخللت مراحل الروايات خمسة عناوين فرعية :
ـ مكي سكّة.
ـ محمد عيسوي مفتاح الشهير بالبرنس.
ـ رشوان جابر الصعيدي.
ـ حفيد الباشا.
ـ عيد ميلاد ميت.
ومن خلال هذه العناوين المتضمنة لأسماء وشخوص المحركة لتفاعلات وأحداث الرواية فقط "المكي سكة" كان همزة وصل لا غير بين "رشوان" و"محمد العيسوي" بينما تربّع البقية على وقائع الرواية. ومن خلال هذه الأسماء نستشف أن العمل هو رواية شخوص تعارفوا وتصادقوا وتآخوا فكتبوا مسيرة عبقة بالوفاء لبعضهم البعض في غير طمع ولا جشع يجمعهم النبل والقيم الإنسانية السّامية.
الرواية تخللتها حكايات جانبية من بعض شخوصها وهي تقنيات أحبذها في العمل الروائي فهي تثري العمل بحكي جديد يقطع مع تسلسل الرواية ويفتح نوافذ من الآفاق للقارئ ما كان ينتظرها.
وما يلفت الانتباه تعدّد الأصوات والضمائر في الرواية ضمير الغائب فضمير المتكلم وتقع مراوحة وتداول السرد بينهما وإن طغى ضمير المتكلم وساد وهيمن محمّلا لنا الماضي من الأحداث والذكريات حلوها ومرها ولعل بعضها جاء مؤثرا مثل لوعة موت زوجة صغيرة السن مما جعل رجلها يهجر قريته ويسعف بنجدة أحدهم من الأثرياء. ويفرّ آخر من سلطة الأنقليز فيلتقيه ثري في الطريق فيهدئ من روعه ويقربه منه ويؤنس وحدته ويكرمه ويقبله للعمل عنده معززا مكرما.
وفد أفضى هيمنة ضمير المتكلم على الرواية حميمية تتناغم مع طابع الرواية المبنية عل الفضائل والقيم النبيلة فهذا الأنا قادر وحده على البوح بأعماق النفس الشفّافة البريئة المعطاءة أفضل من بقيّة الضمائر لذلك استعملته في أهم رواياتي وأنجذب إلى أي عمل روائي بني على هذا الضمير الكاشف للمكنونات والأسرار المتخفية في ثنايا القلوب.
زمن أحداث الرّواية لم يكن مستقيما خطيا استغل الكاتب علاوة على تعدّد الأصوات وتقنية الاسترجاع من قبل هذه الأصوات لتقصّ حكاياتها الجانبية والتي تؤلّف مع بقيّة الأحداث هيكل الرواية الكامل. وقد تستغرب قبل أن تنتهي من القراءة ما دور هذه الأحداث الجانبية لكن في النهاية تكتشف أنها صلب العمل الروائي لكن ارتأى الكاتب أن يتلاعب بالقارئ ويبعث فيه التساؤل والدهشة وينشّط ذاكرته فقط ليخرجه من كلاسيكية زمنية الأحداث الخطية المستقيمة إلى أخرى مراوغة ملاعبة وهي تقنية حديثة في العمل الروائي.
استهل الكاتب روايته " عيد ميلاد ميّت " بعتبة تلخّص مضمون أحداث الرّواية ومتناغمة مع رمزيتها نستشف منها إصرار الكاتب على الحياة العليّة بالفضائل والنبل جاعلا إياها هي الحياة الحقّ حتى ولو كان أهلها قد واراهم التّراب ويعتبر بعض الأحياء من شذّوا عن طوق سرّ الحياة أموات:
هناك من البشر من يظل حيا لعقود بعيدة المدى، المواقف الجادّة والمؤثرة هي أساس البقاء، فلنبحث عما يجعلنا أحياء. هناك أحياء فوق الأرض أموات، وهناك أموات تحت الأرض أحياء.
وفي النهاية أيضا جعل من بيتي شعر تحملان نفس مضمون العتبة العبقة بالرفع من الروح المعنوية فهو يعلي من شأن الفضائل ويسفّ نقيضها الموت.
كم مات قوم وما ماتت مكارمهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات.
الرواية مفتقرة لعمود فقري يشحنها بطاقة من الصّراع الوجودي إما للمقاومة ضدّ الانقليز أو نتيجة ثأر أو تسلط عائلة ثرية أو تمرد عائلة فقيرة وتتوحّد مراحل الرواية وشخوصها حولها إلى النّهاية وهذا مما يشحنها بتصعيد درامي يشدّ القارئ إلى الآخر. ففي العصر الحديث الرواية مطالبة بأن تواكب الأعمال الدرامية في السينما والتلفزيون وحتى على أمواج الأثير وهذه المواكبة تتطلب حدثا غير عادي يخرج عن المألوف كما أسلفنا ثأرا أو نضالا أو مأساة يشارك في خضمها أغلب الشخوص ينتهي إما بانفراج أو انفجار وتلوح من ذلك عبرة ودهشة، لذلك فإن ميلاد ميت في حاجة إلى مثل هذا الحدث الرئيس الذي يجمع حوله الشخوص والأمكنة والأزمنة والتي تتطلبه الأعمال الدرامية، و لعل أديبنا أحمد الطايل رأى أن يريحنا من مثل هذه الأحداث المؤلمة إلى أخرى بديلة تريح النفس وقد تؤثر فينا إلى حد البكاء.
بقلم الناقد الأدبي التونسي: الناصر التومي
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قضية وفاة مغربي في إيطاليا.. جدل وتحقيقات واحتجاجات | مسائي
.. السلاح الكيماوي يشعل مواجهة جديدة بين أميركا وحكومة بورتسودا
.. نافذة من أمريكا | هل تنقذ الرسائل التهديدية ترمب من فخ الاست
.. نشرة إخبارية | مجموعة تنشق عن الدعم السريع وتنضم للجيش السود
.. ساعة حوار | ما أهداف حماس من اختيار خليل الحية لقيادتها؟