الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-قرن الإهانة العربي-: لماذا نهضت الصين ولم ينهض العرب؟!

ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)

2025 / 5 / 25
السياسة والعلاقات الدولية


لم تكن زيارة "دونالد ترامب" إلى منطقة الخليج في مايو 2025م حدثاً عابراً، بقدر ما كانت امتداداً رمزياً وفعلياً لمسار طويل من التبعيّة والارتهان العربي للنفوذ الخارجي، الذي شكّل أحد أعمدة ما يمكن تسميته بـ"قرن الإهانة العربي".
وبينما تحوّلت الزيارات الرئاسية إلى محطات تُقاس فيها مكانة العرب في معادلة القوة الدولية، جاءت هذه الزيارة لتكرّس واقعاً عربياً مأزوماً: إبادة جماعية في "خاصرة الأمة" فلسطين، غياب المشروع العربي المستقل، تبددّ الإرادة السياسية الجامعة، وارتهان متزايد لأجندات خارجية لا تنظر إلى المنطقة إلا بوصفها "سوقاً للسلاح ومخزوناً للثروة والطاقة"، وعليه، يصبح الحديث عن "قرن الإهانة" ليس مجرد توصيف تاريخي، بل واقعاً مستمراً تُجدد معالمه مع كل مشهد سياسي "مُهين".
شكّل مفهوم "قرن الإهانة الصيني" (1839–1949) في الوعي السياسي الحديث للصين، حجر الأساس في بناء السردية القومية، إذ أشار إلى مرحلة طويلة من التفككّ والاحتلال الأجنبي والخذلان الوطني، بدأ بحرب الأفيون الأولى عام 1839، حين اضطرت الصين لفتح موانئها بالقوة والتنازل عن أراضيها، وخضوعها لنفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية، ثم انهارت السلطة المركزية إثر انتفاضات داخلية وحروباً مع اليابان والدول الغربية، وانتهى قرن "الإهانة" بقيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، التي حملت وعداً بإنهاء الإذلال واستعادة ما أسمته "النهضة الصينية القومية".
هذا المفهوم، أي "قرن الإهانة"، والذي استُخدم كشحنة تحفيزية للنهضة والاستقلال في الصين، يطرح تساؤلاً مشروعاً في السياق العربي: هل عرفت المنطقة العربية قرناً مشابهاً من الانكسار والهوان والذل أكثر من القرن العشرين وما يليه؟ وهل يمكن استنساخ المفهوم أو تكييفه لصياغة ما يمكن تسميته بـ"قرن الإهانة العربي" الممتد منذ أوائل القرن العشرين حتى يومنا هذا؟
منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ثم سقوط الدولة العثمانية، دخل الوطن العربي مرحلة تاريخية من التحولات الجيوسياسية التفكيكية، فقد كان نهاية الخلافة العثمانية لحظة مفصلية أنهت معها آخر مظلة سياسية جامعة لأمة العرب، وفتحت الباب على مصراعيه أمام التدخل الأجنبي المباشر، فجاءت معاهدة سايكس-بيكو عام 1916م لتكرّس التفككّ الجغرافي، وتمهّد لتقسيم المنطقة إلى دويلات خاضعة للنفوذين الفرنسي والبريطاني، وتبع ذلك وعد بلفور عام 1917، والذي دشّن مسار ضياع فلسطين، وخلق جرحاً غائراً في قلب الوعي القومي العربي حتى اليوم.
وكحال الصين، خاض العرب قرناً من الاحتلال والتقسيم والتبعية الاقتصادية، والهزائم العسكرية المتكررة، منذ نكبة عام 1948 وحتى إبادة غزة بساعته وتاريخه (2025)! لكن على عكس الصين، التي حافظت، رغم التمزّق، على وحدة الأمة الموحّدة وسردية القومية، لم ينجح العرب في بناء هوية سياسية أو مشروع تحرري جامع يعيد الاعتبار لماضيهم أو ينقذ مستقبلهم.
في الصين، صيغ "قرن الإهانة" ضمن مشروع وطني يربط بين الإذلال التاريخي وبين مشروع "استعادة المجد"، وقد نجح هذا المفهوم في توحيد الهوية الوطنية الصينية، وتغذية طموحات الشعب بمشاريع تنموية وسياسية، لا سيما منذ عهد "دينغ شياو بينغ" القائد الأعلى لجمهورية الصين الشعبية (1978-1990)، ووصولاً إلى المشروع الطموح للرئيس الحالي "شي جين بينغ" المسمى بـ"الحلم الصيني".
في المقابل، يفتقر العالم العربي إلى سردية مماثلة، فما جرى بعد الاستقلالات الوطنية الشكلية في منتصف القرن العشرين، لم يكن إلا إعادة إنتاج للهزيمة بأشكال جديدة: (فقدان السيادة، أنظمة استبدادية، تغلغل القوى الأجنبية في القرار الداخلي، تشظي الهوية والولاء، صعود تيارات متطرفة كرد فعل على الانسداد التاريخي، فشل في التنمية، اعتماد على الخارج، وتضارب في المرجعيات الفكرية والسياسية والقواسم المشتركة للأمة بين (قومية، اشتراكية، إسلامية، قُطرية، ليبرالية وعلمانية)، وحتى حين ظهر المشروع القومي العربي في خمسينات وستينات القرن الماضي، اصطدم بعوائق ذاتية وبنيوية، وانتهى بانكفاء جماعي بعد نكسة 1967م.
وبخلاف التجربة الصينية، لم تنجح الأمة العربية في تحويل هذه الإهانات إلى سردية تحرريّة جامعة تُنتج مشروعاً قومياً، بل تحولت في الغالب إلى نزاعات قُطرية وانقسامات متزايدة، وذلك لجملة من الأسباب، أهمها:
 لم يكن العرب (دولة–أمة) كما هو حال الصين بالمعنى الحديث، بل شعوباً متعددة الهويات القُطرية والطائفية، ما أعاق بناء مشروع قومي موحد.
 ظل العرب أسرى صراعات بين مرجعيات متنافسة، أدت إلى استنزاف داخلي عميق، بعكس الصين التي جمعت بين قوميتها التاريخية والمشروع الاشتراكي التحررّي.
 غياب مشروع نهضوي مستدام، فالمشاريع النهضوية (القومية أو الإسلامية) لم تستطع -ذاتياً- تجاوز التحديات الموضوعية، بسبب الاستبداد والحروب والتبعية الاقتصادية.
 الاستقلال الشكلي والهيمنة المستمرة؛ لم تتح للعالم العربي لحظة استقلال فعلي شاملة، فبقيت كثير من الدول خاضعة لنفوذ القوى الإقليمية والكبرى، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
ربما لا يمكن نقل مفهوم "قرن الإهانة" من الصين إلى السياق العربي بشكل مباشر، لكن التجربة الصينية تقدّم درساً عظيماً مفاده: أن الإذلال القومي، مهما طال، يمكن أن يتحوّل إلى وقود للنهضة إذا ما صيغ ضمن مشروع وطني جامع، كما إن إعادة التفكير في القرن العربي الماضي بوصفه "قرن الإهانة" قد يفتح الباب أمام بناء سردية قوميّة معاصرة، أكثر شجاعة ووضوحاً، تقود نحو "قرن الاستعادة" وإحياء الأمة، بدلاً من الاستسلام للانكسار.
فالسردية القومية الصينية، كانت أداة تعبئة وطنية صيغت بعناية لتعززّ ذاكرة الأمة الجماعيّة، ووضعت إطاراً استراتيجياً للنهوض والكرامة على أنقاض الإذلال، فنهضت الصين وأصبحت أمة واحدة ومن أعظم القوى العالمية، فمتى ننهض؟
لا يهدف نقاشنا من طرح مفهوم "قرن الإهانة العربي" إلى تكريس جلد الذات أو "البكائية السياسية"، إن صحّ التعبير، بل هو صرخة عربية جادة لبداية تأطير مرحلة كاملة من الفقدان الجمعي في سياق نقدي تحليلي، فكما فعلت الصين، يمكن للعرب أن يعيدوا قراءة ماضيهم لا بوصفه مساراً للهزيمة فقط، بل أيضاً حافزاً للنهضة والانبعاث من تحت ركام الانكسار.
غير أن هذه الدعوة تتطلب شروطاً موضوعية، تبدأ ببناء وعي جمعي تاريخي موحّد، يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والطائفية، ويمرّ عبر إعادة تعريف المشروع العربي على أسسِ السيادة والتحررّ والتنمية والعدالة، ولا بد من خلق سردية تحفيزية نهضوية جديدة، لا تعتمد على أطلال الماضي، بقدر ما تعتمد على فهم الحاضر وتحدياته بوعي نقدي وتاريخي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يعد شعب إيران بالدعم.. هل يتحرك عسكريا لأنقاذهم؟ | #ال


.. الجزيرة ترصد الأوضاع الصعبة للنازحين في مخيم ميناء غزة




.. ولاية إلينوي ترفع دعوى قضائية ضد الحكومة الفيدرالية الأمريكي


.. تفاعلكم | النظام الإيراني في مأزق.. وترمب للمحتجين: المساعدة




.. ساعة حوار | مدن إيران تشتعل.. وترمب: المساعدة قادمة