الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المنطق الوجوديّ ... -المنطق الذي لا يسعى للتوصل إلى قوانين ثابتة-

عزالدين محمد ابوبكر

2025 / 5 / 25
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


المنطق الوجوديّ ليس منطقًا صوريًا يرتكز على القواعد العقلانيّة الصارمة ، بل هو منطق ينطلق من التجربة الإنسانيّة الحيّة ، و هو مرآة تعكس الصراع الداخليّ للإنسان مع وجوده في العالم ؛ والمنطق الوجوديّ يتعامل مع الأسئلة الحيويّة ، التي تتعلق بالوجود وتهتم بها الفلسفة الوجوديّة ، مثل : الهوية ، والحرية ، و البحث عن المعنى ، وهي قضايا إنسانيّة عميقة ، يمكن للإنسان أن يتفاعل معها في حياته اليومية ، لأنها نابعة من التفكر الموقفي في المواقف الإنسانيّة.


والمنطق الوجوديّ مثلما سبق وأشرت ، يستمد قضاياه من السمات الأساسيّة للفلسفة الوجوديّة ؛ مثل قول جان بول سارتر "الوجود يسبق الماهيّة" ، الذي يعني أن الإنسان يُولد أولاً دون جوهر (Essence) أو معنى محدد له (نفي الحتميّة) ، ثم يُعرف نفسه ويقوم بعمل معناه الخاص ، من خلال أفعاله واختياراته ، و وفقًا لهذا المفهوم ؛ فالإنسان ليس كائنًا له طبيعة ثابتة مسبقة أو محددة ، بل هو كائن حر (له إرادة حرة) يسعى إلى تحديد هويته من خلال اختياراته ، وتُعد الحرية من الموضوعات السائدة عند جميع الفلاسفة الوجوديين ، لأنها من الموضوعات التي تشكل جوهر الوجود الشخصيّ ، لأن ما يميز الإنسان عن جميع الموجودات الأُخرى التي نعرفها على سطح الكرة الأرضيّة ، هو ممارسته للحرية ، و قدرته على الإمساك بزمام الأمور ، وتشكيل مستقبله و من خلال اتخاذ الإنسان للقرارات ، تتحقق له وتظهر أمامه ذاته الحقة.

والحرية في الفلسفة الوجوديّة هي حرية لا تحدها قوانين أو تقاليد مُسبقة ، ولكن هذه الحرية تأتي مع مسؤوليّة كبيرة على عاتق الفرد ، فالفرد لا يختار فقط لنفسه ؛ بل هو يختار للإنسانيّة جمعاء ، لأنه لا يستطيع الهروب من واقع أنه يخلق/يشكل معايير للآخرين ، وهذه المسؤولية هي مصدر القلق الوجوديّ ؛ حيث يُدرك الإنسان أنه لا يستطيع الهروب من تأثير اختياراته ، و القلق (Angst) وقد سار إلى أبعد مدى له عند كيركجور ؛ وقد نهل كل الوجوديين من نهر كيركجور (مؤلفاته) مثل مارتن هايدجر الذي كان للقلق ، في فلسفته نصيب ، وقد قابل سارتر بين أوصاف القلق عند كيركجور و هايدجر ، ثم وجد أن الأوصاف والمفاهيم لا تبدو متناقضة بالنسبة له ، بل هي على العكس من هذا "وصف" يتضمن "الوصف" الآخر ، بمعنى أن المفاهيم متقاربة وتحتوي بعضها البعض ، و القلق الوجوديّ هو حالة نفسية وفكرية ، تنشأ عندما يُدرك الإنسان عدم اليقين والعبثية في الحياة.
و هذا القلق يظهر عندما يبدأ الإنسان في التساؤل عن معنى حياته ، أو عن معنى وجوده في عالم لا يُقدم أيّ إجابات واضحة ، وهذا القلق ليس ناتجًا عن ظروف خارجية ، بل هو جزء من التجربة الإنسانيّة (الوجدانية)* ؛ و يعتبر عند الفلاسفة الوجوديين مثل سارتر وكيركجور (قدمنا سارتر على كيركجور ، لأن الأول كان قارئًا الثاني) أساسًا ، من الأساسيات التي تحدد وجود الإنسان ، وقد ربط هايدجر الزمانيّة بـ القلق وشرح هذا الأمر ، في مُصنفه الشهير الوجود والزمان ، ومن خلال هذا القلق يمكن للإنسان أن يجد فرصة لتحديد ذاته ، و إعادة بناء معناه في العالم.
و غالبًا ما يشير الفلاسفة الوجوديين إلى أن الموت هو أحد الحقائق الوجوديّة ، التي لا يمكن تجنبها أو إنكارها إذن فالموت حقيقة ، لكن موت الإنسان يجعل الحياة محدودة ؛ وهذه المحدوديّة تجعل الإنسان مُنكبًا ومندفعًا ، على البحث عن المعنى في حياته ، لأنه بـ إدراكه لمحدوديّة زمانيّة وجوده ، يوقظه الإنغماس في الحياة بشكل أكثر أصالة ، إلى مدى أهميّة وجوده ، ويمكن تلخيص الفهم الوجوديّ للموت ، بأنه الوعي المستمر بأن الحياة لن تستمر طويلاً أو إلى الأبد ، وبالتالي فإن كل لحظة في الحياة تتطلب نوعًا من الوعي العميق ، والإختيار الواعي ؛ ويمكن الرجوع إلى رواية «موت إيڤان إيليتش» لتولستوي (صديق الإمام محمد عبده بالمناسبة) للمزيد من الفهم لهذا الأمر ، و يختلف التفكر الوجوديّ في الموت من فيلسوف وجوديّ إلى آخر.
وقد تناول الفيلسوف ألبير كامو مفهوم العبث ، في أعماله الفلسفيّة مثل "أسطورة سيزيف" و "رواية الغريب" ؛ حيث اعتبر أن الوجود البشريّ محكوم بالعبث لأن الإنسان يبحث عن معنى ، في عالم لا يُقدم أيّ دليل على وجود هذا المعنى ، ومن هذه النقطة فالإنسان يعيش في توتر دائم ، بين رغبته في المعنى والواقع الذي يخلو من أي غايه ، ويلاحظ اختلاف المترجمين لمؤلفات كامو إلى العربيّة ، في بيان أمر كلمة (Absurd) حيث نجد ترجمات الكلمة مُتفاوته من مترجم إلى آخر ، لكن سوف أُكرس مقالاً عن هذا المفهوم عن قريب ، لكن العبث لا يعني أن الحياة غير ذات قيمة ، بل أن الإنسان يجب أن يتقبل العبث ويستمر في العيش ، من خلال خلق معانيه الخاصة في عالم يفتقر إلى المعنى الموضوعيّ ، وكان كل ما سبق هو عرض موجز ؛ السمات الأساسيّة للفلسفة الوجوديّة ، التي يمكن استخدامها والبحث عنها بواسطة المنطق الوجوديّ.

- قضايّا الإنسان في المنطق الوجوديّ
القضيّة في المنطق هي وحدة التفكير ، وهي الحد الأدنى من الكلام المفهوم ؛ حيث أنها تكون مُنتهى تحليل جزء من مجرى الفكر ، وتسمى نهاية التحليل أو نتيجته بـالقضية ، ويمكن القول بأن القضية من بناء الفكر ، مثل خليّة في الكائن العضويّ ، حيث تكون هي وحدته التي لا يمكن تحليلها إلى عناصر أبسط منها ، مع احتفاظها بصفة الحياة ، كذلك "القضية" التي لا يمكن تحليلها إلى عناصر أبسط منها ، مع احتفاظها بصفة الفكر ، والقضيّة المنطقيّة الوجوديّة ، هي قضيّة تحوم في ساحة الأسئلة الوجوديّة ، التي تهتم بـ الإنسان ومواقفه اليوميّة ، والقضايّا التاليّة هي من أهم القضايّا ، التي يستطيع المنطق الوجوديّ أن يثيرها أو يُحللّها ؛ مثل قضيّة المعنى (أو عدم المعنى) ، حيث نجد أن الوجوديّة تتعامل معها بشكل مباشر ، مع "السؤال الكبير" عن معنى الحياة ، ففي عالم يعج بـالضوضاء والشكوك والمفارقات ؛ نجد الفلسفة الوجوديّة واقفة في ساحة الفلسفة ، برفقة السؤال الإنسانيّ المركزيّ "هل للحياة معنى؟" ، ويرى سارتر أن الحياة لا تحمل معنى مُسبقًا ، و أن الإنسان هو من يخلق هذا المعنى عبر أفعاله ، لكن ذلك يأتي مع التحدي الكبير ؛ كيف يستطيع الإنسان إيجاد معنى في عالم لا يُقدم أيّ أجوبةٍ واضحة؟ ، ويمكن أن يُترجم هذا إلى مسؤوليّة الإنسان في خلق معناه الخاص ، والإبتعاد عن الفراغ الوجوديّ ، الذي قد يُعرضه للإنغماس في العدميّة ، و الحريّة في المنطق الوجوديّ ليست مجرد قدرة على الإختيار ، بل هي أيضًا وعي كامل بالمسؤولية تجاه هذه الاختيارات ؛ لكن الحرية المطلقة لذوي النظر ، هي سلاح ذو حدين ، من جهة توفر للإنسان إمكانيّة بناء ذاته ، ومن جهة أُخرى ، تضعه في موقف من القلق الوجوديّ ، لأنها تعني أن الإنسان يجب أن يواجه نتائج اختياراته ، في ظل غياب أي ضمانات أو معايير خارجية.
وقضيّة الهويّة الذاتيّة ؛ حيث يتسائل الإنسان عن "مَنْ هو" أو "ما الذي يُحدد هويته" ، من خلال التفاعل مع العالم ، حيث الفرد يصنع ذاته ويُحدد مقاصده وأهدافه ، لكن هذا الصراع الداخليّ يعكس التمزق ، بين ما يريد أن يكون وما يتوقعه الآخرون منه ، كما في "حالة" الوجوديّة الإجتماعيّة (مثلما طرحها سارتر ، في "الوجود والعدم" ؛ في مفهوم "الآخر" وتأثيره على الفرد).
أما عن مواجهة الإنسان للعزلة الوجوديّة ، فنجد أنه لا يمكن للإنسان أن يشارك وجوده بالكامل مع الآخرين ، وهذه العزلة قد تكون مصدرًا للقلق ، لكنها قد تكون أيضًا مصدرًا للحريّة والتفرد ، والإغتراب هو حالة نفسية قد تنشأ ، عندما يشعر الإنسان بأنه منفصل عن العالم ، أو أن وجوده ليس متصلاً بالمجتمع ، ويبدو من النقاط السابقة ، أن المنطق الوجوديّ يتعامل مع قضايا الإنسان بشكل مباشر وجوهري ، و أن الفلسفة الوجوديّة لا تقدم حلولاً جاهزة ، بل تجعل الإنسان في مواجهة مباشرة مع تحديات الوجود ؛ وهكذا يتبين لنا أن المنطق الوجوديّ ، هو منطق يرفض التماثل مع القوانين التقليديّة (مع عدم نُكران استخدام بعض المصطلحات المتعلقة بالمنطق الكلاسيكي في المنطق الوجوديّ) ، ويعترف بأن الإنسان هو من يصنع معناه في عالم غارق في عدم اليقين.

- أهداف المنطق الوجودي
من أهم أهداف المنطق الوجوديّ ، هو تسليط الضوء على الحرية الإنسانيّة ، والإنسان وفقًا لهذه النظرة ، ليس محكومًا فقط بالقوانين الطبيعيّة أو المجتمعيّة ، بل يمتلك قدرة على اختيار مصيره ، لكن هذا الإختيار يأتي مع عبء المسؤولية ، ويجب على الإنسان أن يتحمل نتائج خياراته ، ويكون الهدف هنا هو تحليل العلاقة بين الحرية والمسؤوليّة ، وكيفية تأثيرها على صنع القرارات ، وإيجاد المعنى الشخصيّ في الحياة ، ونجد أيضًا أن فهم الموت ، يُعد من أحد أهم الأهداف المهمة للمنطق الوجوديّ ؛ حيث يبحث المنطق الوجوديّ في كيفيّة تأثير هذا الوعي بالموت ، على الخيارات اليوميّة للإنسان ، وكيف يمكن أن يولّد الوجود الأصيل ، أما بخصوص عبثيّة كامو ، فنجد أن "العبثيّة" هي حقيقة مفادها أن الكون لا يُقدم معايير ثابتة أو إجابات شافية عن الغاية من الحياة ، و المنطق الوجوديّ يبحث في كيفيّة تعايش الإنسان مع العبث ، دون أن يستسلم للهروب من الواقع أو اللجوء إلى الحلول المريحة.

- لكن هل توجد حدود للبحث في المنطق الوجوديّ؟
تتجلى أولى تلك الصعوبات ، في صعوبة القيام بـ"التحديد الكميّ" ؛ حيث يرفض المنطق الوجوديّ ، البحث عن تعريفات ثابتة أو قوانين ثابتة ثابتة للوجود ، فهو يتعامل مع التجربة الشخصيّة ، والتي هي غير قابلة للتقليص إلى أرقام أو معادلات ، وهذا يجعل تطبيق المنطق الوجوديّ في البحث العلميّ الكميّ أمرًا صعبًا ، إذ يعتمد البحث الوجوديّ على التحليل النوعيّ للتجربة البشريّة.
وثاني هذه الصعوبات تكمن في فكرة الذاتيّة ؛ حيث تستند الفلسفة الوجوديّة إلى التجربة الفرديّة ، ومن ثم فإن الإجابة على الأسئلة الوجوديّة قد تختلف من شخص إلى آخر ، وهذا يجعل النتائج غير قابلة للتعميم كما في العلوم الطبيعية ، وصعوبة التعامل مع المفاهيم غير القابلة للقياس ، مثل القلق ، والحرية ، والبحث عن المعنى ، وهي مفاهيم صعبة القياس ، وفي بعض الأحيان صعبة التفسير بموضوعيّة ؛ لأن هذه المفاهيم تتغير بناءًا على ثقافة الفرد ، أو دينه ، أو خلفيته الإجتماعيّة ، وتجربته الشخصيّة ، لذا يصعب تحديد حدود دقيقة لهذا النوع من المنطق ، وقد تكون النتائج غير متسقة أو شاملة ، لكن كل هذا لا يؤثر على مدى أهمية المنطق الوجوديّ ، لكل مفكر ومثقف ، لكن تظل مشكلة التقلب بين الفلسفات ، من أكثر المشاكل أهميّةٍ ؛ حيث أن المنطق الوجوديّ كثير التقلبات بين الفلسفات المختلفة مثل العدميّة ، أو العبثيّة ، أو التراجيديّة (موجودة حتى لو لم تسمع بها) ، وهذا يؤدي إلى تنوع واسع في الاستنتاجات ، والتفسيرات التي قد تكون متناقضة في بعض الأحيان.

- لكن ؛ ما هي النتائج الممكنة للمنطق الوجوديّ؟
في الحقيقة يبدو أن النتيجة الأساسية للمنطق الوجوديّ هي تحفيز الإنسان ، على قبول حريّة اختياره وتحمل المسؤولية المترتبة عليه ، وهذا يمنح الفرد القدرة على تشكيل حياته الخاصة ، بدلاً من الخضوع للأُطر الإجتماعيّة أو الثقافيّة التي تفرض معايير مُحددة ، ويجب أن نتذكر أنه من خلال الوعي بالحرية ، يمكن للإنسان أن يخلق معناه الشخصي في عالم ملئ باللا-يقين ، والفلسفة الوجوديّة تدعو الفرد إلى أن يعيش بشكل أصيل ، عن طريق أن يكون المرء وفيًا لنفسه أمام التوقعات الإجتماعيّة أو القيّم السائدة ؛ وهذه النتيجة تدعو الإنسان إلى التوقف عن التظاهر (أو الإدعاء بمعنى أصح) ، والعيش بصدق مع نفسه ومع العالم من حوله ، لكن المنطق الوجوديّ قد يؤدي إلى التصالح مع العبث ، حيث يُدرك الإنسان أنه لا يوجد معنى موضوعيّ أو غائيّ في الحياة ، لكن هذا الوعيّ يمكن أن يُحفز على إيجاد معنى شخصيّ ، من خلال الأنشطة اليوميّة والتفاعل مع الآخرين ، ويمكن للإنسان أن يجد السلام الداخليّ عن طريق التفاعل الإبداعيّ مع اللحظة الراهنة ، والقلق الوجوديّ بالرغم من كونه مصدرًا للألم ، إلا أنه يمكن أن يصبح دافعًا للإبداع والتحقيق الذاتيّ ، وهذا القلق يدفع الأفراد للتساؤل عن غرضهم في الحياة ، مما قد يؤدي إلى البحث الدؤوب عن المعنى والتجربة الشخصيّة ؛ وبما أن المنطق الوجوديّ يدعو إلى رفض القيّم المسبقة التي يفرضها المجتمع ، فإن هذه الفلسفة قد تساهم بشكل كبير في تحرير الإنسان من القيود الإجتماعيّة ، التي تحد من قدرته على التعبير عن ذاته ، ومن ثم فالإنسان يصبح قادرًا على العيش بـ حرية ، بعيدًا عن التوقعات التي تحد من إمكاناته ؛ ومن ما سبق يتبين أن النتائج المُمكنة ، التي يمكن أن يخلص إليها المنطق الوجوديّ تشمل تحقيق الحرية الشخصيّة ، وإيجاد المعنى الذاتيّ ، والتصالح مع العبث ، مما يؤدي إلى إبداع شخصيّ و رؤيّة جديدة للحياة أكثر أصالة.
و المنطق الوجوديّ يختلف عن المنطق الكلاسيكي ، في أنه لا يقتصر على التعامل مع الإستدلالات العقلانيّة أو المفاهيم المجردة ، بل يركّز على التجربة الإنسانيّة الواقعيّة والتفاعل مع العالم الذي نعيش فيه ، والهدف من المنطق الوجوديّ هو فهم كيفية وجود الإنسان في العالم ، وهو يعتمد على مفاهيم مثل الحرية ، والقلق ، والبحث عن المعنى ، والموت ، وفهم الحياة ، وكل هذه المفاهيم هي ضمن إطار بحث النظريّة المنطقيّة الوجوديّة ، ورغم أنّ المنطق الوجوديّ ليس منهجًا رياضيًا أو صوريًا ، إلا أنه يُمكن تطبيقه عمليًا في الحياة اليوميّة وفي تحليل التجربة الإنسانيّة ، وهذا التطبيق لا يتطلب تبريرات عقلية ؛ بقدر ما يركز على التفاعل الشخصيّ مع العالم والوجود.
وفي الحياة اليوميّة ، يُعد التطبيق العمليّ للمنطق الوجوديّ تحفيزًا للأفراد على اتخاذ قراراتهم بشكل شخصيّ ، وحمل مسؤولياتهم بشكل كبير ، من خلال الحرية التي تمنحها الوجوديّة ، يُتوقع من الناس أن يصنعوا اختياراتهم ، دون الإعتماد على تقاليد أو معايير مجتمعيّة ثابتة ، والإستدلال الوجوديّ لا يعتمد على القياسات العقلانيّة التقليديّة ؛ بل يستخدم التفكير العميق والتأمل في تجربة الحياة ، و وجب الإشارة إلى أن الفيلسوف الوجودي لا يسعى إلى التوصل إلى قوانين ثابتة ، بل إلى تحقيق الفهم العميق للوجود ، و الإستدلال الوجودي يتعامل مع المشاعر ، والاختيارات ، والتجارب الشخصيّة كـ أدوات أساسيّة لفهم الحياة ، ولا تقتصر فقط على الإستنتاجات العقليّة ؛ والإستدلال الوجوديّ يعتمد على الفهم الفرديّ للوجود ، وعندما يطرح الإنسان سؤالاً عن المعنى ، أو الهدف في حياته ؛ لا يكون البحث عن إجابة موضوعيّة ، بل عن تفسير شخصيّ يتماشى مع تجربته الداخليّة ، والمنطق الوجوديّ ليس منطق جاف ، بل هو منطق يشجع الشخص على التأمل في خياراته الخاصة ، ومشاعره تجاه العالم ، ومن المعروف أن الفلاسفة الوجوديين يرفضون البرهان الأنطولوجيّ (تذكر ديكارت ، أو ابحث عنه) كما طرحه الفلاسفة التقليديون ، و بدلاً من تناولهم البرهان الأنطولوجيّ والحديث عنه في أعمالهم ، فأننا نجدهم يدعون الأفراد إلى التفاعل مع الوجود بشكل أصيل ، والعيش في مواجهة الحقيقة غير المؤكدة ؛ ويمكننا أن نقول عن الفلسفة الوجوديّة أنها رحلة في الأراضيّ بعيدًا عن السماويّ ، والفلسفة الوجوديّة تتجاهل البرهان الأنطولوجيّ التقليديّ ؛ لأن أول مبدأ لها هو القول بأسبقيّة الوجود على الماهيّة ، وهكذا نرى أن الوجوديّة تُبدي تحفظًا عن إثبات أي نوع من المعنى النهائي أو الغائيّة الكونيّة ، مؤكدةٍ أن الإنسان هو من يخلق المعنى في عالم غير ثابت ...

المصادر :
- صـ ٧٩ ، الوجودية : مقدمة قصيرة جداً ؛ تأليف توماس آر فلين ، ترجمة مروة عبد السلام ، مراجعة محمد فتحي خضر ، نسخة رقمية صادرة عن مؤسسة هنداوي عام-٢٠١٣.
- صـ ١٩ ، ١٨٣ ، الوجودية ؛ تأليف جون ماكوري ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام...
- صـ ١٠ ، المنطق الوضعي ؛ تأليف زكي نجيب محمود ، مكتبة الأنجلو المصرية ، طبعة عام-١٩٥١ ، القاهرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس مجلس أمناء جامعة لوسيل علي بن فطيس المري: يعد عهد الأمي


.. أمريكا وإيران.. تصعيد ميداني في قلب مسار دبلوماسي




.. تصعيد ليلي جديد.. سلسلة انفجارات تهز المواقع الاستراتيجية في


.. خارج الصندوق | البند الخامس ينسف مذكرة التفاهم.. سر تصاعد أز




.. خارج الصندوق | ينتظر موافقة إيران.. تفاصيل المقترح العماني ل