الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل يمكن قراءة الأعمال الكرتونيّة وجوديًا؟

عزالدين محمد ابوبكر

2025 / 5 / 25
الادب والفن


لا أستطيع أن أتصور طفولتي بدون كرتون شون ذا شيب ، ليس لأنني كنت طفلاً صغيرًا أحب الكرتون ، أو لأنني كنت أحب قضاء وقت فراغي (الطويل آنذاك) في فعل أيّ شيءٍ مرح ، و السبب الحقيقيّ بـالنسبّة إلىّ هو أن هذا الكرتون ليس كرتونًا عاديًا ؛ لأنه مميز في أفكاره ، و في طريقة عمله ، و شخصياته ، و عندما أصبحت مُراهقًا لم أنسى ذلك العمل الفني ، بسبب روعته و دهشته ؛ و في مقالي هذا سوف أحاول شرح طريقة مشاهدتي لذلك العمل ، على أُسس الفلسفة الوجوديّة.

شون ذا شيب ليس عملاً فلسفيًا بشكل صريح ، لكنه يعكس بعض مبادئ الفلسفة الوجوديّة ، من خلال شخصياته و سياقه ؛ حيث نجد القيم التالية متواجدة و بوضوح في هذا العمل ، وهذه القيم هي: الحريّة الفرديّة ، العبثيّة ، البحث عن المعنى ، و تحمل المسؤوليّة ؛ وهذه القيم هي ضمن دائرة بحث الفلسفة الوجوديّة ؛ و يمكننا أعتبار شون ذا شيب ، مثالاً مُمتعًا لكيفية تقديم أفكار "فلسفيّة" عميقة بطريقة مرحة وخفيفة ؛ و مسلسل شون ذا شيب هو مسلسل كرتونيّ بريطانيّ شهير ؛ يعتمد على تقنية تحريك الصلصال ”Stop-motion“ ، و يتميز هذا العمل بطابعه الكوميدي الصامت (وهذه ميزة هذا العمل) ، المليء بالمغامرات والتفاعل البصريّ الذكيّ ، وقد تم إنتاجه من قِبل استوديوهات آردمان (Aardman-animations) ، و المسلسل من إبداع نيك بارك ، و تم عرضه أول مرة عام ٢٠٠٧ ، و حقق نجاحًا عالميًا كبيرًا بفضل أسلوبه الساخر و غياب الحوارات ، مما يجعله مناسبًا للمشاهدين من جميع الأعمار و اللغات.

- نافذة على عالم شون ذا شيب :
تدور أحداث المسلسل في مزرعة إنجليزيّة هادئة ، حيث يعيش الخروف شون ، ذلك الخروف الذكيّ و المغامر ، مع قطيع من الأغنام (تذكر دلالة المصطلح عند فريدريك نيتشه) تحت رعايّة مزارع طيب القلب لكنه قليل الذكاء والمال (و عندما كنت صغيرًا ، كان هذا المزارع أول شخص قليل الحظ ؛ عرفته في بداية حياتي ، لأنه كان يعيش جاهلاً بأمر المرح الذي يحدث في مزرعته كل يوم ، والمزارع شخص وحيد يعيش في سكينة) ، و في كل حلقة ؛ يخوض الخروف شون مع أصدقائه مغامرات مليئة بالكوميديا والمواقف العبثية ، حيث يحاول القطيع الاستمتاع بحياتهم اليوميّة ، بينما يحاولون إخفاء أمرهم عن المزارع لكي لا يعلم بمدى ذكائهم ، و حيلهم ، و مقالبهم ، و هذه كانت أول حكمة فسرتها لي أمي ، و هي "دع الناس يظنوك منهم" ؛ أي كُن مميزًا مع من يفهمك ، و حاول مُجارات الناس في اهتماماتهم.
و تدور أحداث كرتون شون ذا شيب ، مع شيء من الطرافة والواقعية ؛ حيث نجد الخراف وبقية الحيوانات يتصرفون مثل البشر ، لكنهم يعيشون حياة أفضل من حياة راعيهم ، إنهم يأكلون الخضروات ، و البيتزا ، و المثلجات ، و يرقصون ، و يغنون ، و يلعبون ، و يعيشون كعائلة واحدة مترابطة ، على عكس الراعي الذي يحيا وحيدًا حزينًا ، وجهه عابس وهو غير مُقدر لوجوده ، و غير مدرك لما يحدث من حوله ؛ جاهلاً بأمر قطيعه الذي يمتلك مستوى غير عادي من الذكاء ، لكن هذا الأمر يحدث بـ رضًا من القطيع ، عن طريق حيلهم الذكية والمتطورة ، التي جعلت صاحب المزرعة غير واعٍ بأمرهم ، و لطالما أحببت الكلب بيتزر وأعجبتني قبعته ، و بيتزر هو الكلب الراعي المسؤول عن المزرعة ، و الذي يقوم بكافة المهام من تدقيق و تعداد وهكذا أشياء... ، ويحاول بيتزر أن يحافظ على النظام بين الأغنام ، و على الرغم من ذلك نجد أثناء مشاهدتنا للمسلسل ، أن هناك بعض اللحظات الثوريّة التي غالبًا ما يجد الكلب بيتزر نفسه مشتركًا فيها ، سواء عن طريق الخطأ أو بـ إرادته.
أما عن شون وعلاقته مع الخراف ، فنجد أن القطيع يتألف من مجموعة من الأغنام التي تتبع شون ، و يشاركون معه في مغامراته صباحًا وينامون معًا في الحظيرة مساءًا ، و هناك بعض الخراف التي تمتلك شخصيات مميزة مثل الخروف الكبير شيرلي ، و الخروفة الصغيرة تيمي ، و التي ظهرت في عمل خاص مشتق بعنوان "وقت تيمي" ، و اتذكر كيف كانت تيمي مزعجة في بعض الحلقات وحنونة في أخرى ، و اعتقد ان تيمي هي ابنة شون بسبب بعض القواسم المشتركة بينهما في الصفات ، و شون هو بطل المسلسل ، و هو ذلك الخروف الذي يتمتع بالذكاء ، و الدهاء ، و روح القيادة ، على عكس باقي القطيع ؛ و والدتي كانت تقول لي عندما كنت استيقظ مبكرًا بنفسي لكي أراه "ايش صحاك يا شون بدري؟" ، بسبب أنني كنت فضولي و أُحب استكشاف العالم مثله ، و قد كنت في صغري اجد نفسي في مأزق بسبب أفكاري الجريئة مثل شون ، و توجد الخنازير المشاكسة التي تحاول إفساد فرحة شون و القطيع ، و توجد عدة شخصيات ثانويّة مثل الدجاجات والجدي الغريب!

- ماذا عن الجمال و الطبيعة؟
يتميز مسلسل شون ذا شيب بأسلوب تحريك الصلصال ، و هو تقنية قد تكون نادرة نسبيًا مقارنة بالرسوم المتحركة التقليديّة أو الرقميّة ؛ و هذا الأسلوب يُضفي على العمل ملمسًا فريدًا و دفئًا بصريًا ، حيث يشعر المشاهد/ة بأنه يرى عالمًا مصنوعًا يدويًا بكل تفاصيله الدقيقة ، و في فترة الصغر عندما كنت في الصف الرابع الإبتدائي ، كنت بحاجة إلى الشعور بالدفئ و الحنان في ظل الظروف الصعبة ، فكان هذا العمل الفني هو السند و الدافع في مشوار حياتي ، و كانت تفاصيل الشخصيات و الخلفيات الطبيعيّة ، من أكثر الأشياء التي كانت تشدني إلى هذا العمل ؛ حيث تمتلك الشخصيات تصاميم تعبر عن صفاتها من دون الحاجة إلى حوار ، مثل تعابير الوجه ، و أسلوب الحركة ، و حتى المواد المستخدمة في صنعها ، و الألوان الهادئة و الطبيعة تعكس جمالية الحياة البسيطة ، و تعزز الإحساس بالدفء و الارتباط بالمكان.
و يعتبر غياب الحوار في مسلسل شون ذا شيب ، أحد أهم عناصره الجمالية ، إذ يعتمد على اللغة البصريّة الصافيّة لنقل الفكاهة و المشاعر ، و هذا يخلق تجربة مشاهدة أكثر تركيزًا على التفاصيل ؛ حيث يصبح المشاهد شريكًا نشطًا في فك رموز الحركات و الإيماءات ، و تسلسل اللقطات و ترتيب الأحداث يخلق إيقاعًا متناغمًا ، يجمع بين اللحظات الكوميديّة و اللحظات العاطفيّة ، مما يجعل التجربة الجماليّة أكثر توازنًا ، و مسلسل شون ذا شيب يحتفي بجمال الريف و البساطة ، و يقدم رؤية مثاليّة للعالم الريفيّ ، حيث الطبيعة متناغمة مع الشخصيات ، و الحياة اليوميّة مليئة بالمغامرات البريئة ، و هذا يتماشى مع مفهوم الجمال الذي يرى في البساطة و العفويّة قيمة جماليّة قائمة بذاتها ، و شون والقطيع لا يعيشون فقط في المزرعة ، بل يتفاعلون معها ، سواء باللعب ، أو بالإبتكار ، أو حتى محاولة التكيف مع التغيرات التي تحدث حولهم ، و المسلسل يعكس نوعًا من الحنين إلى عالم أكثر بساطة ؛ حيث الجمال يوجد في التفاصيل اليوميّة والمواقف الصغيرة.

- الفلسفة الوجوديّة و الكرتون؟
في الفلسفة الوجوديّة ، الإنسان يُعرَّف من خلال أفعاله ، و هو المسؤول عن قراراته دون أن يكون هناك نظام مُسبق يُحدد مصيره ، و الخروف يمثل هذه الفكرة و بوضوح ؛ حيث "لا يقبل أن يكون مجرد خروف عاديّ" ، أو بمعنى أصح : شون لا يرضى بالوجود السلبي ضمن القطيع ، بل يحاول إصلاح الأمور ، و هذا ما يتفق مع التفكير الوجوديّ ، بخصوص تحمل الإنسان للمسؤوليّة الفرديّة ، و شون رغم أنه يتسبب أحيانًا في المشكلات ، إلا أنه لا يهرب من النتائج ، بل يحاول أن يصلح الأمور ، و يسعى دائمًا إلى التجربة و الإكتشاف حتى لو قاده ذلك إلى الفوضى ، و في المسلسل نجد "فكرة العالم بلا حوار" ؛ حيث لا يوجد تواصل لفظيّ واضح ، مما يخلق بيئة يبدو فيها أن الشخصيات في صراع دائم لفهم بعضها البعض ، و هو ما يعكس عبثيّة الحياة (وهذا ما نجده في الفلسفة الوجوديّة ؛ في نسختها العبثيّة الكامويّة) ، و نجد هناك محاولات من أجل تنظيم الحياة مقابل الفوضى-الإيجابيّة في المزرعة ، حيث نجد الكلب بيتزر يحاول دائماً فرض النظام ، لكنه يجد نفسه في مواجهة عبث-مستمر ، ناتج عن شون و القطيع (أعتبر لحظة شعور بيتزر بالغضب ، من أفضل لحظات المسلسل) ، و هذه الديناميكيّة تذكّر بفكرة أن البشر يسعون إلى تنظيم عالم فوضوي ، لكن العبث يستمر دائمًا في الظهور ، و سبق و أشرت مرارًا وتكرارًا إلى مقولة سارتر "الوجود يسبق الماهيّة" ؛ أي أن الإنسان لا يولد مع معنى محدد ، بل يصنع هويته من خلال أفعاله ، و في هذا السياق ، يبدو أن شون يتحدى مفهوم "الخروف" التقليدي ؛ لأنه لا يتصرف كما يُفترض أن يتصرف الخروف ، بل يعيد تعريف دوره في الحياة ، و يبتكر ، و يأخذ زمام المبادرة ، بدلاً من أن يكون تابعًا لسلطة خارجيّة ، سواء كانت عن طريق المزارع ، أو الكلب بيتزر ، و هذا يؤكد على فكرة أن الإنسان ليس محكومًا بطبيعته أو بيئته ، بل هو ما يفعله بنفسه.
و يلاحظ أن القطيع ، يتصرف كما لو كان مدركًا أن الحياة ليست سوى سلسلة من الأحداث العبثيّة ، و يتعامل معها بروح فكاهيّة بدلاً من التذمر ، و هناك نوع من قبول الواقع كما هو بعبثيته ولامبالاته ، مع محاولات لإضفاء بعض المعنى الشخصي عبر المغامرات اليوميّة ، و تتوافق هذه الفكرة مع عالم البطل ميرسو في رواية الغريب لألبير كامو ، و لا توجد سلطة توجه شون و القطيع ، مما يجعلهم أحرارًا تمامًا في تصرفاتهم ، و هذا يعكس المفهوم الوجوديّ بأن الإنسان مسؤول عن خلق نظامه الخاص ، في عالم بلا قوانين مطلقة.
و من ما سبق ؛ يبدو أن شون ذا شيب ، ليس عملاً فلسفيًا بشكل صريح ، لكنه عمل فني بكل ما تحمله الكلمة من معنى ؛ و يحتوي على أهم عناصر التفكير الوجوديّ ، و الإنسانيّ في الحياة ، و شون ذا شيب ؛ هو مثال مميز على كيفيّة تقديم أفكار فلسفيّة عميقة ، بطريقة سهلة ، و بسيطة ، و بدون كلمة واحدة ، لأن للفعل السيادة في هذا العمل ، و على رأي فتجنشتاين ؛ ما يهم حقًّا ، هو فقط ما نستطيع أن نصمت عنه!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات