الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


غزة تُذبح على الهواء مباشرةً... نحن نُكبّر للعيد… وهم يُكبّرون للصبر

عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

2025 / 5 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


في بقعة من هذا العالم، نرفع رؤوسنا إلى السماء نبحث عن هلال العيد، ونُعدّ أيام ذي الحجة بفرح وترقب، نستعد للأضحية، نجلب الثياب الجديدة لأطفالنا، ونشعل بيوتنا بالبخور والبهجة، بينما على الضفة الأخرى من الألم، في غزة، في خان يونس، في قلب الرماد، هناك من ينظر إلى السماء لا بحثًا عن هلال، بل عن طائرة، أو قذيفة، أو صاروخ يُنهي حياة.

نحن نكبّر "الله أكبر" استعدادًا لصلاة العيد، وهم يُكبّرون "الله أكبر" وهم ينتشلون الأحبة من تحت الركام.

نحن نعدّ خراف الأضاحي، وهم يُعدّون أبناءهم الذين تحوّلوا إلى أضاحي بشرية.

عيدنا.. ومرثيتهم

أيُّ عيدٍ هذا يُؤذّن له من المقابر لا من المآذن؟
أيُّ عيدٍ تُزف فيه الشهادات لا العرسان؟
أيُّ عيد يُعلَّق فيه علم الحداد فوق رايات الفرح؟
هل تبقى للعيد نكهة، حين تتحول البيوت إلى مقابر جماعية؟
هل تبقى للتهاني معنى، حين تصل الأم شهقاتها إلى عنان السماء، ولا تجد من يردّ السلام؟

في مشهد لا يصدّقه عقل، ووسط رمادٍ لا يطاق، خُطّت مجزرة جديدة في سجل التاريخ الأسود للإنسانية.
الطبيبة الفلسطينية آلاء النجار، التي أفنت عمرها في إنقاذ أرواح الأطفال، تتلقى دفعة واحدة أشلاء تسعة من أطفالها، قضوا حرقًا في غارة على منزلها في قيزان النجار بخان يونس.
أيُّ قلبٍ يحتمل ذلك؟
أيّ أمّ تُسلَّم لها تسعة أكفان؟
بل أي كفن بقي ليضم أشلاءهم المحترقة؟!

أعيادنا منقوصة، ناقصة الكرامة، وعدالة غائبة ،طالما هناك طفل في غزة يُخرَج من تحت الأنقاض لا ليُلبَّس ثياب العيد، بل ليُجهّز لمثواه الأخير.
أعيادنا مُخجلة، إن لم تُرافقها صرخة حق، موقف شريف، وقلب لا يتكلّف الحياد أمام الجريمة.
أعيادنا باهتة، ما دامت تُخنق في غزة تكبيرة العيد تحت أنقاض المساجد، ولا يجد الجرحى فيها لا ماء، ولا دواء، ولا سريرًا يُخفف نزيفهم.

أيّ دين؟ أيّ ضمير؟

أيّ دين يبرر حرق الأطفال؟
أي شريعة تقبل استهداف المدنيين في نومهم؟
أي قانون يصمت أمام أمّ تُسلّم تسعة من أطفالها في صندوق واحد؟
مدرسة تحولت إلى فرن، ومشفى إلى مقبرة، ومخيّم إلى لوحة موت جماعي؟

هم يُكبّرون… رغم الدم

رغم كل شيء، هم يُكبّرون…
"الله أكبر على من ظلم"،
يُصلّون تحت القصف، يُوزّعون ما تبقّى من خبزهم كما نوزّع نحن أضحياتنا،
يعلّقون آمالهم في سماء لا تزال تمطر نارًا، علّها تمطر عدلًا يومًا.

صرخة الختام

يا أبناء الأمة…
لا عيد لنا إن لم نكُن معهم.
لا عيد لنا إن لم نُحسن الوقوف حيث يجب أن نقف، بالكلمة، بالصوت، بالضمير، وبالحق.
لا عيد لنا… ما دام الهلال عندهم لا يُبشّر بفرح، بل بليلة قصف جديدة.

فلنُعِد للعيد معناه الحقيقي: عيدًا لا يموت فيه طفل، ولا تُفجع فيه أمّ، ولا يُقصف فيه بيت.

لا عيد… ولا حج

لا عيد…
لأنّ العيد لا يُولد بين الركام،
ولا يرقص على جثث الأطفال،
ولا يُشعل فوانيسه من نار القذائف.

لا عيد…
وأمّ تحتضن تسعة أكفان،
تحاول عبثًا أن تُسميهم، أن تُميّز أصابعهم الصغيرة،
أن تعرف من منهم كان يحفظ سورة الرحمن.

لا حج…
والأمة حجّت إلى صمتها،
سَعَت بين مصالحها،
ورجمتَ الضمير لا الشيطان.

لا عيد…
ما دام المؤذن يُكمل تكبيرة العيد
بدموع الحداد،
وما دام المصحف تملؤه الرماد،
وما دام المسجد بلا مئذنة… بلا سقف… بلا مصلّين.

لا عيد…
والأقصى يئنّ،
وغزة تنادي ولا يجيبها سوى الطائرات.

لا حج…
فما طاف الحجيج حول كعبة الإنسان،
وما سَعوا بين صفا القدس ومروة غزة،
ولا عرفوا أن "عرفات" اليوم… في خان يونس.

في كل عام، ننتظر أن يُشرق العيد على غزة، لكنّه يتوه في الدخان، ويتعثّر في جثث العائلة كلها تحت سقف واحد.
ولأننا لا نملك إلا الكلمة، فلتكن الكلمة نارًا من ضمير، ونورًا لا يُطفئه قصف.
فليكن هذا العيد بداية الرفض، لا طقوس النسيان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قيود بريطانية على منتجات المستوطنات وإسرائيل ترد بإجراءات مض


.. الحوثيون يعلنون استهداف مواقع سعودية والمعارك تتصاعد قرب باب




.. سرقة لوحات نادرة لرينوار من متحف فرنسي في عملية خاطفة


.. صفعتان في يوم واحد: هل يبدأ حصار نتنياهو بعد التصعيد الأوروب




.. بعد استهداف ناقلات إيرانية.. الحرس الثوري يعلن ضرب سفن أمريك