الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صراع المركز والإقليم: بداية التغيير في النظام السياسي العراقي

ديار الهرمزي

2025 / 6 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


في تاريخ الشعوب، لا تأتي التغييرات الجذرية صدفة، بل تكون دائمًا نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية.

وفي الحالة العراقية، يمكن القول إن الصراع المزمن بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان بات أحد أبرز مؤشرات تفكك النظام القائم، وربما أحد المحركات الحاسمة لتغييره مستقبلاً.

أولاً: جذور الصراع بين المركز والإقليم
١ مو
هذا الصراع ليس وليد لحظة آنية، بل هو نتيجة خلل بنيوي في صيغة الحكم الفيدرالي التي تبناها العراق بعد 2003، دون وجود آليات دستورية واضحة وحاكمة لتنظيم العلاقة بين بغداد وأربيل.

من أبرز نقاط التوتر:

النفط والثروات الطبيعية: من يملك الحق في التعاقد والتصدير؟ المركز أم الإقليم؟

الرواتب والميزانية: هل يحق للمركز التحكم برواتب موظفي الإقليم مقابل التزامات مالية غير واضحة؟

الحدود الإدارية والمناطق المتنازع عليها.

التمثيل السياسي والعسكري: من يحدد السياسة الدفاعية؟ وهل البيشمركة جزء من المنظومة الدفاعية أم قوة موازية؟

هذه القضايا ظلت بلا حلّ جذري، وتتحول في كل مرحلة إلى أزمات، أحيانًا سياسية وأحيانًا اقتصادية، لكنها دومًا تعكس خللًا في شكل النظام ذاته.

ثانيًا: أزمة نظام أم أزمة حكومات؟

يبدو للكثيرين أن هذه الأزمات تعود إلى فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة العلاقة. لكن الحقيقة الأعمق هي أن النظام السياسي العراقي بُني على توازنات هشة، لا على قواعد دستورية راسخة. فالنظام الحالي:

برلماني شكلي، لكن في الواقع تحكمه توافقات فوق دستورية.

فيدرالي في النص، لكنه مركزي في السلوك العملي.

ديمقراطي في الشكل، لكنه مبني على المحاصصة القومية والطائفية.

وهذا يعني أن الصراع بين المركز والإقليم هو أعراض لمرض أعمق: نظام غير قادر على إنتاج حلول مستدامة، ويعيد إنتاج الأزمات نفسها مع كل دورة انتخابية أو تغيير حكومي.

ثالثًا: لماذا هو بداية تغيير النظام؟

بناءً على تحليل شخصي مبني على قراءة الواقع السياسي العراقي، فإننا نرى أن هذا الصراع هو:

كاشف لحدود النظام الحالي: كل أزمة مع كوردستان تفضح عجز النظام عن احتواء التنوع القومي والإقليمي بطريقة عقلانية ومنصفة.

محرّك لفكرة إعادة الصياغة: هناك اليوم أصوات متزايدة تطالب بتغيير شكل الدولة، إما عبر الانتقال إلى نظام رئاسي، أو عبر تعزيز الفيدرالية الحقيقية، أو حتى عبر التفكير في نماذج حكم جديدة (كونفيدرالية، لامركزية موسعة…).

ناقل للأزمة إلى العمق الشعبي: الأزمات لم تعد بين السياسيين فقط، بل أصبحت تمس حياة الناس (رواتب، خدمات، أمن)، ما يجعل الصراع أكثر انفجارًا وأكثر تأثيرًا على النظام ككل.

رابعًا: ما ملامح التغيير القادم؟

إذا استمرت الأزمة بين المركز والإقليم على هذا الشكل، فإن الاحتمالات الواقعية التي قد تظهر هي:

1. إعادة كتابة الدستور أو تعديله جذريًا.

2. تغيير شكل النظام السياسي نحو الرئاسي أو شبه الرئاسي.

3. تقوية الفيدرالية على أسس اقتصادية وسياسية واضحة (فيدرالية حقيقية وليست سياسية فقط).

4. طرح مشروع عقد اجتماعي جديد يعيد بناء العلاقة بين المركز والأقاليم على قاعدة الشراكة لا التبعية.

خامسًا: خاتمة تحليلية

الصراع بين المركز وكوردستان ليس نزاعًا على الرواتب أو آبار نفط فقط، بل هو مرآة لصراع أعمق بين تصورين مختلفين للدولة العراقية.
ما نراه اليوم هو أن هذا الصراع قد يكون الشرارة التي تدفع النخبة السياسية، والمجتمع، إلى التفكير الجدي في تغيير شكل النظام السياسي نفسه. وهذا التغيير لن يكون سهلًا ولا سريعًا، لكنه – حسب التحليل – أصبح أمرًا لا مفر منه إذا أردنا للعراق أن يبقى دولة موحدة وعادلة.

حين تفشل الأنظمة في احتواء مكوناتها، فالصراع لا يبقى مجرد خلاف سياسي، بل يصبح إعلانًا عن موت الصيغة القديمة، وبداية ولادة لنظام جديد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المغرب: مقتل 21 شخصا في -فيضانات استثنائية- بإقليم آسفي


.. والد وابنه يقفان وراء عملية إطلاق النار في سيدني




.. غزة على خط النموذج اللبناني.. ماذا تعني عودة الاغتيالات الإس


.. مروحيات إسرائيلية تطلق نيرانا كثيفة داخل مناطق سيطرتها شرقي




.. السلطات المغربية تواصل جهود البحث عن مفقودين محتملين جراء ال