الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الضباع تلتهم قيمنا

الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)

2025 / 6 / 3
قضايا ثقافية


مشهدٌ يختزل زمناً بكامله: فناء ثانوية يتحول إلى حلبة مصارعة. مراهقٌ يزمجر في وجه حارسه كأنما يهدم سداً من التقاليد، سماعاته تتدلى كتحدٍّ، وجمهورٌ من زملائه يصفّق للانتهاك وكأنه بطولة. لم تكن ثورةَ غضبٍ عابرة، بل جرأةٌ جليدية تنم عن كائنٍ نشأ في ساحات القتال لا في رحاب التربية.

هذه اللوحة البشعة ليست سوى تجلٍّ وحيد لأزمة قيمٍ تخترق أوصالنا. الاحترام لم يعد بديهة، والكبار فقدوا هالتهم، والمؤسسة التعليمية أضحت أشبه بخرابة. الخطير أن التلميذ ليس وحشاً بذاته، بل هو ثمرة بيئة هجينة: أسرة منهزمة، مدرسة منهكة، شارعٍ بلا رقيب، وإعلامٍ يمجّد صراخ المتسلقين لا صوت الحكماء.

نحن لا نتحدث عن انحرافٍ فردي هنا، بل عن اختلال في هندسة الوعي الجمعي. عن جيلٍ تربى على الصراخ لا على الإصغاء، على التهكّم لا على التفهّم، على ثقافة الربح السريع لا على بناء الذات. جيلٌ يتلوّى بين هويّتين، ويُسحب من تديّنٍ شكلي إلى حداثة استهلاكية بلا جذور، فيصبح فارغاً من المعنى، متخمًا بالشكل.

ليست الأزمة هماً تربوياً فحسب، بل هي ارتعاشة مجتمعية عميقة تشقّ وعي الأجيال. وفي المغرب - الذي طالما نُعت بمجتمع التقى والورع - تكتسي الكارثة طعماً مراً خاصاً: جيلٌ يقدّس "الترند" ويستهين بالمعرفة، يعيش انفصاماً حضارياً لا هو بالشرق ولا بالغرب. لا يصلي بإيمان، ولا يحتفل بالحرية، بل يتأرجح بين طقوسٍ بلا روح، واستهلاكٍ بلا وعي، وسخريةٍ تقضم كل شيء.

ألم نكن بالأمس نردّد أن العائلة حصن القيم، والمدرسة منارة الفكر، والشارع رحم التنشئة؟ ها هي اليوم تتهاوى جميعاً تحت وطأة إعلامٍ هش، وفضاءات رقميةٍ متوحشة، وسياساتٍ عاجزة عن بثّ الأمل. لقد تحوّلنا من تربية الأبناء على "الخير" إلى تدريبهم على "النجاة"، نغرس فيهم دهاءَ الثعالب لا شرفَ البشر. الكل يعلّم الكل كيف يهرب، لا كيف يواجه. كيف يربح، لا كيف يكون إنساناً.

في هذه الغابة البشرية، لم يكن الراحل "محمد جسوس" مبالغاً حين حذّر: "إنهم يصنعون جيلاً من الضباع". ليست استعارةً بل تشريحاً دقيقاً: الضبع كائنٌ نباشٌ يتغذى على الجيف، يهجم في قطيع، ويقهقه عند الذبح. أليس هذا مرآة لجيلٍ تائه في العاصفة، بلا بوصلة أخلاقية ولا سردية جامعة؟ جيلٌ يهلّل للمؤثّر وينكّل بالمعلّم، يتابع خبيرة التجميل ويتجاهل المفكر، يُشارك شائعة ولا يقرأ دستوراً.

المؤلم أكثر أن هذا الانحدار يتم برعاية صامتة، وبقبولٍ مجتمعي بارد. لم تعد هناك صدمة. انطفأ الذهول. صار مشهد الطالب المتمرّد، والمدرّس المُهان، والسوق الأخلاقي المنهار، مجرد "محتوى قابل للمشاركة". صار السقوط مادةً للفرجة، لا محفزاً للقيام.

الكارثة أن الأزمة تجاوزت كونها ظاهرةً لتصير سياسةً صامتة: حين تهمّش المدرسة الفلسفةَ والفنون، وتتحول الامتحانات إلى سباقٍ للغش المشرعن، فإننا نخلق كائناتٍ بلا ضمير. وحين يكافأ الوصوليون ويُحاصر الملتزمون، يصبح الانهيار خياراً "عقلياً". تتسرب الرداءة إلى قلب المؤسسات، ويُشرعن التواطؤ مع الرداءة تحت مسمى "الواقعية". وهكذا، يتحوّل الفشل إلى نظام حياة، ويغدو النجاح النظيف حالة شاذة تُحاصَر بدلاً من أن تُحتفى.

ثم نأتي بعد كل هذا ونطالب القيم أن تبقى، نطلب من شجرة أن تثمر وقد قطعنا جذورها. أي عبث هذا؟

التاريخ شهد مجتمعاتٍ عبرت من تيهها بإصلاح ثقافي جريء. اليابان بعد الحرب، ألمانيا بعد النازية، رواندا بعد الإبادة… كلها أعادت بناء الإنسان أولاً، القيم قبل المؤسسات، الضمير قبل القوانين. أما نحن فنتخبط بين التبرير والإنكار. نرثي الأخلاق ثم نضحك على من يدعو لإحيائها. نشتكي من جيل "ماشي مربي" ثم نُصفّق لمن يهدم سلطة المربي.

السؤال المصيري: هل نختار إعادة بناء "إنسان" يحمل قيماً ومعنى، أم نستسلم لصناعة مستهلكٍ فارغ كالغلاف، لا يؤمن بشيء ولا يبني شيئاً؟ هل نُعيد المعنى للعلم، للمعلم، للكتاب، للوالد، للقانون… أم نترك الضباع تتناسل، وتملأ المكان؟

اللحظة حرجة: إما أن ننتشل القيمَ كعمودٍ فقري للحضارة، أو نستفيق يوماً على زئير الضباع يملأ الخراب. فالقيم ليست تراثاً غابراً، بل هي دم الحياة في شرايين الحاضر. وإن غفلنا اليوم، فلن نُورث الأجيال سوى عواء الضباع في صحراء بلا معنى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رغم قضية الاختلاس.. هل تصل مارين لوبان الى سدة الرئاسة في فر


.. وزير خارجية تركيا: الجميع يريد التهدئة إلا إسرائيل | #الحقيق




.. أسباب تعثر نشر القوات الدولية في غزة.. قراءة تحليلية في ما و


.. عُملة من وَهم | الوجه الخفي لأعقد خدعة رقمية بالعالم وأسرار




.. نافذة من أمريكا | ترمب يهدد بضربات واسعة على إيران إذا نجحت