الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من سيقود المغرب؟ سباق الأحزاب نحو حكومة ما بعد الإحباط

الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)

2025 / 6 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


في زمنٍ فقد فيه الشارع السياسي بريقه، وصار المواطن يرمق المشهد بعين الشك أكثر مما يتابعه بأمل، تنبعث من تحت الرماد أسئلة جديدة: من يقود المرحلة المقبلة؟ من الحزب الذي سيتصدر المشهد في الاستحقاقات التشريعية القادمة؟ ومن سيكون الأقدر على حمل عبء حكومة يتآكل فيها رصيد الثقة، وتتصاعد حولها التحديات الاجتماعية والاقتصادية؟

هذه الأسئلة لا تُطرح اليوم كتحصيل حاصل، بل كحاجة ملحّة لفهم تحوّلات الخارطة الحزبية، وقراءة مؤشرات الأداء، وتموقعات الأحزاب التي تُعيد ترتيب أوراقها على مهل. ففي الأفق لا توجد فقط انتخابات جديدة، بل امتحان حقيقي للطبقة السياسية: من سيبقى؟ ومن سيسقط؟ ومن سيحاول أن يعود؟

وسط هذا المشهد، برز تصريح نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، خلال اجتماع اللجنة التنفيذية، باعتباره أول إعلان صريح لطموح سياسي معلن: الحزب يراهن على المرتبة الأولى، ويعتبر نفسه مؤهلاً لقيادة حكومة قادمة، سماها في لغته السياسية "حكومة المونديال"، في إشارة إلى انتخابات تشريعية ستتزامن مع حمى وطنية من نوع خاص. هذا التصريح لم يكن وليد لحظة حماس، بل يعكس يقينًا داخليًا يتغذى على تقديرات وتوقعات تعتبر أن حزب الاستقلال، بعد مرحلة طويلة من التموقع ضمن تحالفات هامشية، قد يكون بصدد العودة إلى الواجهة من باب الريادة.

لكن هل يكفي الطموح وحده؟ بالتأكيد لا. فالحزب العريق، الذي راكم تجربة تاريخية طويلة، يبدو أنه يسعى اليوم لتقديم نفسه كقوة وسطى: ليس معارضًا صداميًا، ولا حزبا إداريا تقنوقراطيا، بل "خياراً متزناً" يستطيع إقناع النخب، ولا يثير حفيظة الشارع. هذه الصيغة قد تكون مربحة في سياقات بعينها، لكنها تظل رهينة بقدرة الحزب على تجديد خطابه، واستعادة قاعدته الشعبية التي تآكلت بفعل التحالفات المتكررة، والتنازلات التي أفقدته هويته الأصلية في نظر جزء من ناخبيه.

في المقابل، لا يمكن استبعاد حزب التجمع الوطني للأحرار من معادلة التوقعات، رغم كل التراجع المسجل في شعبيته. الحزب، الذي قاد الحكومة الحالية، ما زال يحتفظ برصيد تنظيمي مهم، وبحضور واسع في الجماعات والجهات، وهي عناصر لها وزنها في الحسابات الانتخابية. لكن ما يضعف حظوظه هو تآكل الصورة التي بنى بها حملته في 2021، وتراجع ثقة جزء من الرأي العام في قدرته على تسيير المرحلة. سيحتاج الحزب إلى جهد كبير، ليس فقط في الإنجاز، بل في ترميم صورته، وإعادة تعريف خطابه السياسي بطريقة تقنع الناخب المتردد.

أما حزب العدالة والتنمية، فقد بدأ تدريجيًا يستعيد أنفاسه بعد كبوة 2021. وإن كان من الصعب تخيله في الصدارة، إلا أن موقعه في المعارضة منحه هامشًا مهمًا لإعادة بناء قاعدة ناخبيه، واستثمار الأخطاء المتراكمة للخصوم. رهانه الآن ليس فقط العودة، بل العودة بشروط جديدة: خطاب أكثر تواضعًا، حضور أقل ضجيجًا، وتواصل يُركز على ملفات ملموسة تهم معيش المواطن. وإذا استمرت الحكومة الحالية في العجز عن إقناع الشارع، فقد يكون حزب المصباح هو المستفيد الأول من هذا السقوط البطيء للثقة العامة.

الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي يبدوان كحزبين قابلين للاندماج في أي تحالف، أكثر من كونهما طامحين لقيادة المرحلة. الأول يعيش أزمة هوية داخل الأغلبية، والثاني لا يزال يبحث عن موطئ قدم داخل قواعد اجتماعية ضاقت باليسار النخبوي. لهذا، من المرجح أن يُعاد تدوير دوريهما ضمن الأغلبية القادمة، دون أن يكونا رقماً حاسماً في معادلة الصدارة.

بناء على هذه المعطيات، يمكن القول إن الصراع على قيادة الحكومة القادمة سينحصر بين ثلاثة فاعلين أساسيين: حزب الاستقلال، حزب الأحرار، وحزب العدالة والتنمية. الأول يراهن على التوازن، والثاني على البنية التنظيمية، والثالث على استثمار أخطاء الآخرين. أما من سيفوز، فسيكون ذلك رهينًا بثلاثة شروط: نسبة المشاركة، مزاج الناخب، والقدرة على إقناعه بأن هناك بديلًا حقيقيًا لا مجرد تبادل للكراسي.

المرحلة المقبلة لن تكون مجرد محطة انتخابية. إنها لحظة مفصلية، لاختيار من يملك الحد الأدنى من الكفاءة، والحد الأعلى من المصداقية، في بلد صارت السياسة فيه مرادفًا لخيبات متكررة. ومن يُحسن قراءة هذا المزاج، قد لا يحتاج إلى الكثير من الوعود، بل فقط إلى قدر من الصدق... وهذا وحده، قد يصنع الفرق.

وأختم بالقول إن كل ما ورد أعلاه مجرد تخمينات وتحليلات شخصية لا تمتّ بصلة لأي معلومات رسمية أو توجهات حزبية. أنا مجرد مدوّن مستقل، أتابع المشهد السياسي بعين المهتم، ولا أنتمي إلى أي حزب سياسي أو جهة تنظيمية، ولا أدّعي امتلاك الحقيقة، بل أطرح تساؤلات من واقع مواطن لا يزال يؤمن – رغم كل شيء – أن السياسة قد تعود يومًا لما يجب أن تكون عليه: خدمة الناس، لا التنافس عليهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما المكاسب الخفية للتحالف الدفاعي بين القاهرة وأنقرة؟ | نيوز


.. عاجل | الولايات المتحدة تبدأ فرض الحصار البحري الشامل على إي




.. نقاش الساعة | واشنطن وطهران من الدبلوماسية إلى الاستنزاف


.. نائب رئيس الوزراء اللبناني: نعول على موقف أمريكي داعم للانسح




.. العالم الليلة | أميركا تلجأ لـ-أغلى صاروخ- وتضرب إيران بموجة