الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مقبرة الصمت: لماذا تخشى الأمم المريضة أصوات المهرطقين؟
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2025 / 6 / 6
قضايا ثقافية
المعرفة الحقيقية تمرّدٌ على اليقين البائد، وكل فكرة حية تولد من رحم الاختلاف. حين تستسلم المجتمعات لإغراء الوحدة الفكرية، يصبح العقل الجمعي آلةً بكماءَ تردد صدى مقولاتٍ جاهزة، وتتوحش في مطاردة كل صوتٍ شاذٍّ كشبحٍ في الليل. ليس ثمة خطرٌ على مصير الأمم أعظم من تحوّل الفكر إلى مرآةٍ تعكس ذاتها، ومن انكماش الرأي في قفص الإجماع القسري. فذلك "الاتفاق الوطني" اللامع ظاهرياً ليس سوى قشرة هشّة تخفي تحتها تكلّس الروح وجمود العقل.
هذا التوحيد المصطنع للوعي ليس وعياً مشتركاً، بل هو موتٌ مشتركٌ للذات المفكرة. ما ترفعه تلك المجتمعات شعاراً باسم "الإجماع" هو في جوهره فوبيا من السؤال، وهوسٌ بالانضباط الأعمى، وإدمانٌ مرضيٌ على صمت الأمان، هرباً من المجازفة الخلاقة التي يحملها الحوار الحرّ. المشكلة ليست في تقارب القيم، بل في فرض نسقٍ فكريٍ واحدٍ، حيث يصبح الحيادُ جريمةً والتساؤلُ هرطقةً والاختلافُ داءً يستوجب العزل. عندها تتحول الثقافة إلى مراسيم بيروقراطية، ويُختزل المثقف إلى مجرد بوقٍ يُعلن ما تمليه الجماعة، لا ما تمليه ضمائرٌ حية.
في المجتمعات الحية، لا يُحجر على الفكر في قداسة نمطٍ واحد، ولا يُتهم المفكّر بالخيانة لمجرد اجتراحه مساراً مختلفاً. تتعايش الأضداد علانيةً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون أن تنهار البنى، لأنهم يدركون أن تعدد الألحان هو ما يعطي السيمفونية بهاءها. لا يخشون "المهرطق"، بل يخشون انقراضه. لا يسجنون الكاتبَ الذي يهشم الطابوهات، لأن الحقيقة – في نهاية المطاف – تُبنى من لبنات الشك، لا من طين الطاعة العمياء.
بالمقابل، ما زال الفكر العربي يرزح تحت طغيان "ورقة الإجابة الموحدة". فضاءٌ يُشبه قاعة امتحانٍ كبرى، يُطالب الجميع فيها بنسخ الجواب نفسه كشرطٍ للنجاة. السياسة تستند إلى الولاء لا الحجة، والدين يُحاصَر بأسوارٍ لغويةٍ ومذهبيةٍ تخنق التجديد باسم الحفظ، والتعليم يكرّس استنساخ الأفكار لا تفكيكها. حتى الحبّ يُختزل إلى تعليماتٍ أخلاقيةٍ جافة.
وحين يتجرأ صوتٌ على كسر هذا القالب، يُشرَّع عليه رصيف التهم الجاهزة، وتُطلق عليه لعنات النبذ، وتُهدم جسور الاعتراف به. الأنظمة المستبدة لا تحتاج دائماً إلى سجونٍ مادية، يكفيها أن تُقدّس نموذجاً فكرياً واحداً، فتتولى الجموع بنفسها إعدام كلّ من يخرج عنه إعداماً رمزياً.
هذه الوحدة القاتلة لا تقتل الإبداع وحده، بل تقتل مقومات البقاء ذاته. في عصرٍ تتبدّل حقائقه بسرعة البرق، لم تعد القوة الضاربة ضمانةً للنجاة، بل القدرة على إعادة تشكيل الأسئلة. الأمة التي تحبس تفكيرها داخل حدودٍ مرسومةٍ سلفاً، تسير – بصرف النظر عن ضجيج المصفقين – نحو انقراضٍ بطيءٍ محتوم.
الاختلاف ليس ترفاً، بل هو اللقاح الوجودي ضدّ التفسخ الداخلي. الأمم لا تموت حين تخسر معاركها، بل حين تتوقف عن استنطاق الوجود. فإذا أبصرت مجتمعاً يتباهى بإجماع أبنائه على رأيٍ واحد، فاعلم أنك تقف أمام مقبرةٍ صامتةٍ، تُوارى فيها نبضاتُ العقل تحت تراب الامتثال.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف سقطت شبكات احتيال جمعت مئات الملايين حول العالم؟ | مسائي
.. الجيش الكويتي يعلن اعتراض عدد من الصواريخ الباليستية والمسيّ
.. منتخبا فرنسا وإنجلترا يلتقيان في مباراة البحث عن نهاية إيجاب
.. الأرجنتين وإسبانيا.. قمة بين ميسي ولاعبي برشلونة الشباب
.. الإنجليزية للمبتدئين: كيف نتحدث عن الماضي باستخدام الأفعال غ