الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ديالكتيكيّة تفسير الأحلام عند ابن سيرين
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 6 / 7الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في البدء :
ابن سيرين ، هو محمد بن سيرين البصري ، الأنصاري بالولاء ، ويُكنى بـ أبا بكر ، وقد كان إمام وقته في علوم الدين بالبصرة ، و هو تابعي من أشراف الكتَّاب ، ويعرف عنه قديمًا و حديثًا أن له اليد الطولى في تعبير الرؤى والأحلام ؛ حيث يُنسب إليه كتاب ”تعبير الرؤيا“ الذي ذكره ابن النديم في الفهرست ، وقد أكثرت المراجع في ترجمته والحديث عنه ، لكن في تدوينتي هذه ، سوف أحاول قراءة ما يُنسب إلى ابن سيرين من الأفكار التفسيرية ، بطريقة فلسفية بواسطة مقاربات ديالكتيكيّة هيجليّة وماركسيّة ، و فرانكفورتيّة ، و وجوديّة.
و ابن سيرين هو واحد من أبرز علماء تفسير الأحلام في التراث الإسلاميّ ؛ حيث إن ذكرت تفسير الأحلام وجدت نفسك تذكر ابن سيرين نفسه ، ويقوم التفكير المناميّ عنده على أن الرؤيا ليست مجرد صورة عقليّة أو هلوسات ليلية ، بل هي رسائل رمزيّة ذات دلائل ومغزى ، تأتي من الله عزّ وجل ، أو من النفس ، أو الشيطان ؛ حيث يقول النبي ﷺ : «الرؤيا من الله ، والحُلْمُ من الشيطان» ، والمضاف إلىٰ الله سبحان وتعالى من ذلك هو الصَّالح ؛ وإن كان جميعه بمعنى الرؤيا الصادقة والكاذبة خلقًا لله سبحانه وتعالى ، والرؤيا الصادقة هي التي قال عنها النبي ﷺ أنها جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ، وقد يرى المؤمن وغير المؤمن الرؤيا الصادقة ، وهناك نوع ثالث من الأحلام وهي أضغاث الأحلام ؛ التي تنشأ من انعكاسات الحياة اليوميّة.
و أولى قضايا الديالكتيك في الفكر المناميّ عند ابن سيرين ، هي "جدليّة المصدّر" ؛ حيث إن كانت الرؤيا صادقة وانطبقت عليها قواعد الرؤيا الصادقة ، فهي من عند الله ، وتأتي لتبشر ، أو تنذر ، أو تُرشد ، والحلم ؛ وهو على النقيض من الرؤيا الكاذبة ؛ حيث لا تنطبق عليها أحكام الرؤيا الصادقة ، ومن هذه النقطة يكون الحلم من الشيطان ، و يُقصد به التشويش أو التخويف ، و اطغاث الأحلام هي أحلام لا تنتمي إلى أيّ فئة من الفئتين السابقتين ؛ حيث لا تنطبق عليها أحكام الرؤى الصادقة أو الكاذبة ، لأنها ناشئة من الحياة اليوميّة للفرد وتحتوي على جانب هام ، من فردانيته وفكره ، وما سبق هو عرض لفكرة "جدليّة المصدّر المناميّ" ؛ حيث يتردد سؤال مصدرية هل هو من عند (الله ، الإنسان ، الشيطان) في ذهن المُعبر أو مفسر الأحلام ؛ حيث إن كان الحلم من عند الله فهو يُؤوَّل ، أما إن كان من عند الشيطان فهو يُتجاهل ، ومن عند النفس الإنسانية فهو يُعالج نفسيًا ، ويقوم المُعبر بدور المرشد النفسي للرائي.
أما ثاني القضايا الجدليّة في الفكر المناميّ ، فهي "جدليّة الرمز والمعنى" ؛ حيث نجد أن ابن سيرين لا يقوم بتفسير الأحلام تفسيراً حرفياً ، بل يعتمد على التأويل الرمزي ؛ حيث إن الرمز هو أمر مرتبط بالوجود الإنسانيّ ، فهو يتداخل ضمن جميع علاقات الفرد مع الغير ، ويمكن القول بأن الرموز هي أحلام اليقظة للإنسان التاريخيّ على حد قول ميشيل مسلان ، حيث إن رؤية البرق في المنام تدل على العذاب ، والرحمة ، والمطر ، والدلالة الاولى دلالة "العذاب" قد تشير إلى ما يحدث عن طريق إصابة البرق للأرض ، وتبدو مروية "العذاب" مروية ذات مصدرية شيطانية ، أما الدلالة الثانية فتشير إلى ما يحدث من تبعات بعد هطول الأمطار ، وهي مروية منامية ذات مصدرية إلهية ، ويقول ابن سيرين : "من رأى برقًا دون الناس ، أو رأى أنواره تضربه أو تخطف بصره أو تدخل بيته ، فإن كان زارعًا قد اجدبت أرضه وعطش زرعه ، وإن كان مولاه والده أو سلطانه ساخطًا عليه ، ضحك في وجهه" ، يلاحظ من سياق التفسير الأخير الذي يتحدث عن ضحك السلطان ، إن هذه المروية المنامية ذات مصدرية نفسانية ؛ حيث إن المرء إن كان عاملاً مع مدير بغيض ، فسوف يُصعق عندما يراه يضحك ، وهذا التفسير نابع من واقعانية الموقف الإنسانيّ ؛ ومن ما سبق يتبين أن التفسير يكون حسب سياق الرؤيا ، وشخصية الرائي ومدى استيعاب المُعبر للرؤيا و الوقائع المحيطة برموزها.
وثالث القضايا الجدليّة في الفكر المناميّ ، "جدليّة الزمان والمكان وأثر الشخصية" ؛ حيث نجد أن ابن سيرين يقوم بتفسير الحلم في ضوء شخصية الرائي ، ونوعه (إن كان ذكرًا ام انثى) ، وحالته الإجتماعية (إن كان غني ام فقير ، أو متزوج أو أعزب) ، ومدى طهارة نفسه (إذا كان تقي أم فاجر) ، ونجد أن الزمان والمكان يؤثران على شكل التفسير وهدفه ؛ حيث أن رؤية الثلج في المنام ، تدل على عند الذين لا ينكر وجود الثلج عندهم ، على الخصب لأهل ذلك الموضع ، والثلج إذا ذاب ذاب عندهم (مروية منامية ذات مصدرية نفسانية) ؛ ومن اشترى وقر ثلج في الصيف ، فإنه يصيب مالاً يستريح إليه ، ويستريح من غم بكلام حسن ، وعلى رأي هيجل يبدو أن الموجب والسالب يعبران عن اختلاف مطلق أو تضاد كامل ، غير أننا لو نظرنا إليهما بنظرة أعمق لوجدنا أنهما شيء واحد ، ومن ثمّ فالموجب والسالب يرتبط كل منهما ارتباطاً كاملاً ولا يمكن أن ينفصل عن الآخر ، فالقطب الشماليّ في المغناطيس لا يمكن أن يوجد بدون القطب الجنوبي والعكس صحيح ، (راجع "قضية التناقض" ، المنطق الصوري) ، وهكذا يتضح أن رؤية الثلج في البلد الحار تختلف عنها في البلد البارد.
و رابع القضايا الجدليّة في الفكر المناميّ ، هي "جدليّة الثبات والتحول" ؛ حيث نجد أن لبعض الرموز معاني ثابتة لا تتغير ، و ليس للصيرورة عليها يد مثل رؤية النبي ﷺ ؛ حيث قد قال أبا هريرة : سمعت رسول اللّه ﷺ يقول : "من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة ، فإن الشيطان لا يتمثل بي ، وقد حكى أبو قتادة ، قال رسول الله ﷺ : "من رآني فقد رأى الحق" ، وهكذا يتبين وجود رموز ثابتة لا تتغير ، أما عن جدل أو تناقض المعنى في التحوّل ، فنجد أن لبعض الرموز معاني تتحول أو تتغير مع تغير السياق ؛ حيث البكاء في الحلم عادة ما يعني السرور ، لكن في سياق آخر عندما يكون هناك بكاء مع عويل ، فإنه يعني مصيبة وترحة ، و الديالكتيك في فكر ابن سيرين لا يُستخدم بمعناه الهيجليّ المُجرد (اطروحة-نقيض-توليف) ، وإنما بمعنى جدل مستمر بين عناصر متعددة داخل الحلم وحوله ، وكل ما سبق كان من مستويات هذه الجدليّات المنامية ، و الديالكتيك في الفلسفة الماركسية هو علم القوانين العامة لتطور الطبيعة ، والمجتمع ، والفكر ؛ ونظرية ومنهج دراسة ظواهر الواقع في تطورها وحركتها النابعة من تناقضاتها الداخلية ، و الديالكتيك قديم قدم الفكر اليوناني وزيادة ، لكن قد قام هيجل بوضع الأُسس النظرية له ؛ و أعاد ماركس النظر فيه (راجع رأس المال) ، وقام من تبعه ولحق به في الفكر الماركسي ، بتطوير النظرية وإعادة استخدامها وخير مثال على هذا نجده عند لينين ، لكن ؛ ماذا عن المنهج التأويليّ عند ابن سيرين؟
نجد عند مطالعتنا لما يُنسب لابن سيرين من النصوص ، أن ابن سيرين لم يكتفِ بجمع الرموز ، بل قام بتوظيف "منهج تأويلي قائم على التفسير النصي والمقارنة الرمزية" ؛ حيث نجد ابن سيرين يستخدم في تفسيره ، عدة قياسات تحكم العملية التفسيرية وتديرها ، مثل "القياس الشرعي" الذي يستند إلى القرآن الكريم والحديث الشريف في تفسيره للرموز ، مثل حديث رؤية النبي في المنام الذي سبق وقمت بعرضه ، ومن رأى في المنام ، أنه يصلي بالناس صلاة نافلة ، دخل في ضمان لا يضره ، فإن كان القوم جعلوه إمامًا ، فإنه يرث ميراثًا ، لقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِيِنَ﴾ [القصص ، ٥] ، وهذه المروية ذات مصدرية إلهية ؛ حيث أن معانيها ورموزها صالحة ، إذن فهي من عند الله.
أما "القياس اللغوي والثقافي" ، فنجد أنه يستخدم اللغة العربية أو الثقافة اللغوية في التفسير ؛ حيث أن من رأى هلالاً طلع من مشرق أو مغرب ، والناس ينظرون إليه بعد أن لا يكون ذلك أول ليلة من الشهر أو طلع منها ، و لاحظ معي تعبيرية كلمة هلال (هل/ظهر) ، أو قد تكون رمزًا مستمد من الوعي الجمعي ، مثل رمزية الخيل الذي قد يشير إلى العز ، و "القياس الشخصي" هو من أهم النقاط ، التي يرجع إليها المُعبر لإتمام العملية التأويلية ؛ حيث أن "القياس الشخصي" يعتمد على تفاصيل الرائي وحالته ، فيفسر الرمز وفقاً لها ، مثل من رأى كأنه أدى زكاة الفطر فإنه يكثر الصلاة و التسبيح ، لقوله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبَّه فَصَلّى﴾ ، [الاعلى: ١٤١٥] ، ويقضي دينًا إن كان عليه ، ولا يصيبه في عامه ذلك مرض أو سقم ، ويلاحظ من التفسير أن التفسير الأول موجه لصاحب المال ، أما الثاني فهو موجه لمن ليس لديه مال ، ويلاحظ أن مظهر الرائي عليه عامل كبير لقيام العملية التفسيرية ؛ حيث يشير الملبس إلى الفئة الإجتماعية ، وعند معرفة الفئة الإجتماعية تظهر الآمال الفردية ، التي يخفيها الإنسان في داخله وتظهر في حُلمه.
وابن سيرين لا يرى فقط أن الرؤيا تعبير عن المستقبل ، بل هي مرآة لحال النفس مع الآخر ، والرؤيا أو الحلم قد يكشف عن رغبات مكبوتة أو مخاوف داخلية ؛ حيث يترك المرء جزءًا منه في حُلمه ، وكثير من الرؤى تعكس أوضاعًا إجتماعية مختلفة ، وحالات فردية حيث يكون الحالم مسترجعًا لذكرياته أثناء نومه ، وهذه الذكريات أو الوقائع هي المادة الخام لكل الأحلام.
ويبدو من كل ما سبق ، أن ابن سيرين لم يكن مجرد مفسر رموز ، بل كان عالِمًا يُدير شبكة جدلية معقدة ، تتكون من عدة عوامل يمكن جمعها في المعادلة التالية :
• المصدر × الرمز × الشخص × السياق = التأويل
وهذه معادلة إنسانية تحتوي على أهم العناصر الجدليّة المنامية ، وهي تلخيص جيد لكل ما سبق تناوله ، لكن ، هل يمكن فهم الأحلام على خطى مدرسة فرانكفورت؟
• محاولة لفهم الأحلام على طريقة مدرسة فرانكفورت
مدرسة فرانكفورت هي تيار فكري نقدي ، نشأ في ألمانيا في أوائل القرن العشرين ، وكان يجمع بين التحليل الماركسي لا سيما نقد الرأسمالية والطبقية ، والتحليل النفسي الفرويدي ، والفلسفة النقدية (وللمدرسة نظرية نقدية خاصة بالمناسبة) ، وتفكيك الأيديولوجيات السياسية وغيرها من الأيديولوجيات ، وقد اهتمت هذه المدرسة بفهم كيف تنعكس هذه البُنى الإجتماعية والثقافية في أشياء مثل: الفن ، الإعلام ، اللغة ، ووصل الأمر إلى الأحلام!
وترى مدرسة فرانكفورت أن الحلم ، ليس معزولاً عن البنية الإجتماعية ، بل هو انعكاس "مشوه" للعالم الواقعي ؛ حيث تظهر التناقضات ، والرغبات المكبوتة ، وأحياناً القمع السياسي (حين يحلم السجين بالطيران مثلاً) ، والاغتراب النفسي حين يكون الفرد وحيدًا وغير مفهوم ، لكن كيف كل هذا؟ تخبرنا مدرسة فرانكفورت يا عزيزي/تي أن الرأسمالية ، لا تتحكم فقط بيقظتنا ، بل تتسلل إلى لا وعينا أيضًا ؛ حيث تقوم الإعلانات ، والجندرية وما يتعلق بها من الأمور ، والعمليات الإستهلاكية ، بتشكيل ما نحلم به ، حتى ونحن نعتقد أنه شيء شخصي ، ويرى هربرت ماركوز أن الحلم ليس فقط هروبًا من الواقع ، بل قد يكون مساحة للمقاومة الرمزية ضد الواقع القمعي ، حيث أن الأحلام تُعبر عن توق الإنسان إلى عالم مختلف ، بلا قمع ، بلا استغلال ، ويمكن تقسيم الأحلام إلى نوعين حسب فكر هربرت ماركوز ، حيث يكون الأول هو "الحلم الزائف" أو المدجن ؛ حيث يعيد الفرد إنتاج قيم المجتمع (مثل الحلم بشراء سيارة فاخرة ، مع العلم بوجود عوائق مادية) ، وهناك الحلم الراديكاليّ ، الذي يتجاوز الواقع ، ويحاول أن يتخيله مُختلفًا (كأن تحلم بعالم بلا سلطة ، بلا فقر ، أو ملكية) ، ويرى ماركوز أن الحلم قد يحمل طاقة "تحررية كامنة" ، تشبه الفن والخيال الثوري ، لكنه يُقمع غالبًا من العقل الأداتي.
أما إريك فروم ، الذي جمع بين التحليل النفسي و الماركسية ؛ نجده يرى أن الأحلام تعكس "عملية الإغتراب" ، التي يُعاني منها الإنسان في المجتمع الرأسمالي حين ينفصل عن ذاته ، وعن الآخرين ، وعن الطبيعة ، ومن هنا تظهر الأحلام كمحاولة لإعادة الإنسجام المفقود ، مثل الحلم بالطفولة ، أو بالطبيعة ، بالحب ، وكل هذا دائماً ما يشير إلى وجود توق ، توق لإستعادة إنسانية حقيقية ، فقدناها حين دخلت قيم السوق والتشييء إلى حياتنا ، ومن ما سبق يتبين أن إريك فروم حين يخوض الحديث عن الأحلام ، فإنه يستخدم معولي التفسير الوجودي والنفسي الإجتماعية.
• لكن ، هل يمكن قراءة الأحلام وجوديًا؟
في بداية هذا الأمر ، أود أن أشير إلى أنني أقصد من فعل "القراءة" ، هذه العملية التفسيرية التي تُقام من منظور الوجود الإنساني ، لا من خلال الرموز الثابتة أو التقاليد الدينية فقط ، بل عبر ما تكشفه الأحلام عن ذاتية الفرد ، وحريته ، وقلقه في هذا الوجود ، وبحثه عن المعنى في عالم بلا معنى ، وهذا المنهج مستلهم من قضايا الفلسفة الوجودية ، التي تركز على تجربة الفرد في العالم ، خصوصاً كما نجد عند كيركجور ، و هايدجر ، و سارتر ، أهم أعلام الفلسفة الوجودية.
والقراءة الوجودية لا تعتبر الحلم مجرد نبوئة (أو شكل من أشكالها) ، أو نتيجة لعقد نفسية ، بل تعتبر الحلم "تجربة" داخلية ؛ تكشف عن الذات في أقصى تجلياتها ، والحلم يصبح "لغة وجودية" تعبر عن القلق ، والشعور بالعبث ، والتوقف للحرية ؛ كل تلك المشاعر الإنسانية التي لها الصدارة ، في المواقف الوجودية ، والحلم يُظهر "الذات كما هي" ، دون أقنعة الوعي اليومي أو القيود الاجتماعية ، ويمكن أن نقول عن الحلم ، أنه عملية اللقاء الجميل بين الذات الواعية ، والذات العميقة ؛ حيث تنفجر الأسئلة الكبرى : من أنا؟ ، لماذا انا هنا؟ ، وماذا افعل انا؟
وفي الأحلام ، يظهر القلق ليس كخوف من العدم ، والعزلة ، و اللاجدوى ؛ مثل الحلم بالسقوط ، أو الضياع في مدينة مجهولة ، والحلم لا يسير خطيًا كما الواقع مثل الزمن ، لأنه يحطم الزمن ، وهذا يعكس رؤية هايدجر للزمن كـ"زمانية وجودية" ، لا كـ ساعة ، بل كـ تجربة "أن تكون في العالم" ، وفي الحلم دائماً ما نجد أنفسنا نقوم بأفعال حرة تماماً ، أو نُجبر على مواقف ، وفي هذه النقطة تظهر جدليّة الصراع بين حرية الأختيار ومسؤولية الوجود ، وكما نجد في فلسفة سارتر ، نجد أن الإنسان محكوم بأن يكون حرًا ، حتى في كوابيسه ومناماته ؛ لكن يلاحظ في بعض الأحلام ، أن هناك شعوراً بالاغتراب ، أو بعض الناس دون وجوه واضحة ، وقد تحمل بعض الأحلام رمزيات هامة وخطيرة ، مثل الإنسان الذي يرى نفسه تائهًا في متاهة لا مخرج منها ؛ حيث قد يعني هذا الحلم وجوديًا ضياع المعنى في حياة الشخص ، وعدم قدرته على اتخاذ قرار ، أو الخوف من اللامعنى ، أما الحلم بالطيران فوق المدن ، فقد يعني وجوديًا أن الفرد الرائي لهذا الحلم ، يتوق إلى التحرر من القيود ، ومن قوانين الجاذبية الإجتماع ، والتسلط ، والأنانية الغيرية) ، لكن الطيران قد يعني الهروب من القلق ، لا التحرر الحقيقي منه ، وفي الحلم ، لا نكون بالضرورة كما نحن ، بل كما يمكن أن نكون ، وهذا يعكس مفهوم الذات الممكنة عند الفلاسفة الوجوديين : حيث يصبح الحلم فضاءًا لتجريب خيارات الحياة الأخرى ، دون أن نلتزم بها بعد ، وهكذا يبدو لنا مدى سعة الفلسفة الوجودية و جودتها ، أمام سؤال البحث عن المعنى في محل ميلاد المعنى المناميّ عند الإنسان ، وهكذا يبدو الإنسان بين الرِس 𓍟𓁻𓏛 (اليقظة) ، والرِسوت 𓍟𓍢𓏏𓁻𓏦 (الحل) ، مولوداً وعارفًا ومعترفًا بـ إمكاناته في هذا الوجود.
المصادر :
- صـ ٥٦ ، ٣٠ ، ٧٥ ، ١١٥ ، ١٢١ ، ١٢٣ ، تفسير أحلام التفاؤل ؛ تأليف ابن سيرين ، بدون تاريخ ، مكتبة الإيمان ، المنصورة.
- صـ ٢٤٥ ، علم الأديان : مساهمة في التأسيس ؛ تأليف ميشال مسلان ، ترجمة عزالدين عناية ، دار الكلمة ، الطبعة الأولى -٢٠٠٩ ، أبوظبي.
- صـ ١٥٦ ، ١٩٩ ، معجم تفسير الأحلام ؛ تأليف محمد بن سيرين ، عبد الغني النابلسي ، ترتيب وإعداد ؛ باسل البريدي ، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى -٢٠٠٨ ، أبوظبي.
- (قراءة عامة) ، المنهج الجدلي عند هيجل : دراسة لمنطق هيجل ؛ تأليف إمام عبدالفتاح إمام ، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ، الطبعة الثالثة-٢٠٠٧ ، بيروت.
- صـ ١٨٣ ، مدرسة فرانكفورت ؛ تأليف توم بوتومور ، ترجمة سعد هجرس ، مراجعة محمد حافظ دياب ، دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع والتنمية الثقافية ، الطبعة الثانية-٢٠٠٤ ، بنغازي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟
.. استهداف منشآت الطاقة يعمق التصعيد في حرب روسيا على أوكرانيا
.. العاشرة | اعتداءات إيرانية جديدة على دول المنطقة