الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
القمر ، والتفكير القمري على الطريقة المصرية القديمة: بين الدورات الكونيّة والحكمة الرمزيّة
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 6 / 7الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لم يكن القمر في الحضارة المصرية القديمة مجرد جرم سماويّ ، بل كائن حيّ ، روحانيّ ، يتنفس عبر دوراته ، و يُرسل بـ إشارات رمزية تشي بعلاقات عميقة بين الكون والإنسان ، إن "التفكير القمري" ليس فقط نظرة إلى القمر كـ كوكب ، بل هو نمط تفكير ، وطريقة إدراك للزمن ، للخلق ، للموت ، وللأبدية ، وفي هذا المقال سوف أحاول كشف كيف ربط المصري القديم نفسه بالقمر ، لا كموضوع عبادة فحسب ، بل كمصدر للحكمة الكونية ، ولإعادة بناء الذات والكون معًا.
وفي مصر القديمة ، كان رصد القمر هو الأداة الاولى لقياس الزمن ؛ حيث أنه الجسم الظاهر في أغلب الليالي ، و الأكثر تحولاً في هيئاته وسرعة إكتمال دورته نسبياً ، وسهولة مراقبتها ، وهكذا أصبح العام ، والشهر ، والاسبوع ، كلهم مقترنين بمراحل القمر ، أما على المستوى الميثولوجي ، فإن القمر كان يمثل عين حور اليسرى ، وقد اقترن القمر ببعض المعبودات مثل المعبود چحوتي 𓅝𓏏𓏭𓀭 ، الذي أصبح مسؤولاً عن حساب الوقت وفقاً لمراحل القمر ، وقد كان للمعبود چحوتي هيئتين رئيسيتين ، الأولى وهي تمثيل لـ چحوتي برأس الأيبس (أبو قردان) وجسم إنسان ، أما الثانية فهي عندما يُمثل چحوتي بهيئة قرد البابون ، وفي هذه الهيئة يمثل معبود القمر نفسه.
و يُعد طائر أبو قردان رمزًا للمعبود چحوتي ، يعود تاريخه إلى فترتي ما قبل وبداية الأسرات ، وقد تم الإشارة إلى المعبود چحوتي في عدد من فقرات متون الأهرام ، وارتبط چحوتي بعدد من الآلهة مثل المعبود رع ، الذي كان چحوتي رفيقاً له في رحلته السماوية ، و خلال فترة الدولة القديمة نجد أن المعبود چحوتي لم يرتبط فقط بـ المعبود رع ؛ حيث ارتبط بـ المعبودين أوزير و حور ، و في سياق الميثولوجيات المصرية القديمة ؛ نجد أن چحوتي كان يمثل كـ رسول الآلهة و وسيط بين الارباب ، في مجمع عين شمس كما تخبرنا أسطورة الصراع بين حور و ستخ ، ومن النقطة السابقة يتضح لنا لماذا قارن اليونانيين بين چحوتي و هرمس رسول آلهة الأولمب عندهم.
وتجدر الإشارة إلى وجود معبود للقمر آخر غير چحوتي ، وهو المعبود خُنسو 𓐍𓈖𓇓𓅱 معبود القمر واحد أعضاء ثالوث واست (طيبة) ، الذي ظهر وانتشر صيته في عصر الدولة الحديثة ، و الاسم خُنسو يعني "المتجول" ، أو "مَن يجوب السماء" ، بـ إعتباره التجسيد الربوبي الكائن في السماء ، والاسم مشتق من الفعل خنس ، بمعنى "سافر عبر" أو "مر إلى" ، واسم خُنسو (الذي يعني المتجول) يُعد إشارة إلى عبور السماء ؛ حيث أن عبور السماء أمنية من أمنيات المتوفى ، لذلك فعندما يذكر المتوفى اسم خُنسو فهو يطلب العبور بواسطة الإله ، مثلما يفعل رع بـ چحوتي في متون الأهرام ، و للمعبود خُنسو عدة جوانب من شخصيته ، فهو المتعطش للدماء والقتل ، وهو الرحيم الذي يقوم بـ شفاء المرضى ، وهو حامي الأولاد ومحب السلام ، ويظهر المعبود خُنسو عادة بهيئة شاب داخل رداء محكم أبيض اللون ، و حاملاً لبعض رموز الملكية ، ويعلو رأسه الهلال والقمر ، و تتدلى من شعره خصلة شعر جانبيه.
وقد اقترن المعبود أوزير بالقمر ؛ حيث يتقاطع القمر مع فكرة الموت و الإنبعاث ، التي حدثت لأوزير بعدما قُتل وقطعت أوصاله ، لكن إست (ايزيس) أعادته للحياة ، وهذه الدراما الرمزية تتماهى مع مراحل القمر : التناقض ، والاختفاء ، ثم الظهور من جديد.
حيث يكون القمر رمزاً أوزيريًا ، يقوم بـ تذكير الفرد المصري بدورة الموت والبعث ، و أصبحت العقيدة الاوزيرية عقيدة راسخة في الديانة المصرية القديمة ؛ حيث أصبح الخلود مُمكنًا ، لكنه مشروط بالمعرفة والعبور الطقسي ، وقد كان الملك المتوفى يتمنى أن يقترن بالقمر ، بعد موته حتى يضمن لنفسه تجدد ولادته في العالم الآخر ، شأنه في ذلك شأن الشمس التي تولد في كل صباح من جديد ، والقمر الذي يولد كل شهر من جديد ، وتؤكد متون الأهرام تلك الفكرة ؛ حيث نجد الملك ونيس يتمنى أن يطوف في السماء ، مثلما يطوف رع (الشمس) و چحوتي (القمر) في السماء.
- التفكير القمري كـ نمط إدراك :
(الدورة مقابل الخطية) ؛ حيث يفكر المصري القديم وفق الزمن الدائري لا الخطي ؛ والزمن القمري يُعلّم الإنسان أن الحياة ليست سيراً من البداية إلى النهاية ، بل عودة وتكرار وتحول ؛ حيث يكون القمر مُعلمًا للصبر ، و الترقب ، و الوعي بالتحوّل البطيء ، و التفكير القمري يعني إدراك أن كل شيء يمر بدورات: الولادة ، النضج ، الإنحلال ، ثمّ الولادة من جديد.
وبخلاف الشمس ، المرتبطة بـ الإشراق والعقل الظاهر ، والقمر يُحيل إلى العقل الباطن ، الحلم ، الحدس ، والليل ، والتفكير القمري هو تفكير الغموض ، التأمل ، الغوص في النفس ، ولهذا الأمر نجد أن القمر في مصر القديمة ، قد ارتبط بـ الكهنة ، و قوة الطقوس (السحر) ، والكتابة (حيث يكون الفرد ، كـ القمر الذي يدوّن دوراته) ، والحساب (حيث كان التقويم شمسي-قمري-نجمي) ، و الزمن المصري القديم لم يكن اعتباطيًا ، بل كان دقيقاً ، وكان القمر أساس التقويم ، خصوصاً في تحديد مواعيد الأعياد ، الطقوس ، والمواسم ، ويكون القمر في هذا السياق كائناً مشارك في النظم الكونية ، يُضبط عليه إيقاع الأرض والإنسان.
وفي التفكير القمري ، الظلمة ليست نهاية ، بل بداية ، و اللحظة التي يختفي فيها القمر تُعتبر في مصر القديمة لحظة خصبة ، لحظة لبدء قيام قوة الطقوس (السحر) ، و التواصل مع العالم الآخر ، وفتح أفق روحي جديد ، وهذا الأمر يتوافق مع الاعتقاد الاوزيري بأن الموت هو بوابة التجدد.
ثم نجد في ثنايا مخطوطات الخروج إلى النهار ، ظهور إشارات متكررة إلى "الليل" ، "الظلمة" ، "التحول" ، وكلها تحمل رمزية قمرية ، و الروح تمر بمرحلة "الاختفاء" كما القمر ، ثم تعود إلى النور ، والقمر هنا يصبح مُعلمًا صامتاً للروح ، يُرشدها في الظلمة حتى تصل إلى نور النهار الابدي ، و ليس من الغريب أن نجد أن الكلمة الدالة على الوعي ، في مصر القديمة هي نفس الكلمة الدالة على القلب ، لأن التفكير القمري يُعلّم أن الإنسان يجب عليه أن يعكس في داخله دورة القمر ؛ حيث عليه أن يمرّ بـ التحولات ، بالنقص والاكتمال ، لكي يصل إلى التوازن.
والفكر المصري القديم لم يكن وجوديًا بالمعنى الحديث للكلمة ، لكنه كان فكراً عميق في إدراكه لمعضلات الإنسان مثل: الموت ، الزمن ، الهوية ، المصير ، والتفكير القمري علّمه (المقصود: الإنسان) أن كل شيء يتحوّل ، وأن لا ثبات إلا في التغيير نفسه ، وقد علّم القمر المصري القديم أن بعض المعاني لا تُدرك بالنور الكامل ، بل في الظلال ، في الحلم ، وفي الرمز ، وهذا النوع من الحكمة الرمزية ، التي تختار "عدم الإفصاح الكلي" ، بل تعتمد على التلميح ، وعلى الإشارة ، و الإيحاء.
وفي مصر القديمة ، لم يكن القمر إلهًا خارجيًا فقط ، بل كان مرشدًا داخليًا أيضًا ، و التفكير القمري هو الوعي بأننا جزء من دورة كونية أوسع ، وبأن في داخلنا قمرًا ؛ يتناقص ويتزايد ، يموت ويُبعث ، يختفي ليظهر ، و هو تفكير يتطلب التواضع أمام حكمة الكون ، والقدرة على رؤية النور في عتمة الوعي وضحالة الوجود ، وضبابية الفكر العام.
المصادر :
- صـ ٣٩٤٠ ، الفلك في مصر القديمة ؛ تأليف ماسيمليانو فرانشي ، ترجمة فاطمة فوزي ، مراجعة علاء شاهين ، انس ابراهيم ، المركز القومي للترجمة ، الطبعة الأولى -٢٠١٥ ، القاهرة.
- صـ ١٨٠١٨١ ، ٢٤٠٢٤١ ، الديانة المصرية القديمة ، الجزء الأول (المعبودات) ؛ تأليف عبد الحليم نور الدين ، ... ، الطبعة الثانية -٢٠١٠ ، القاهرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟
.. استهداف منشآت الطاقة يعمق التصعيد في حرب روسيا على أوكرانيا
.. العاشرة | اعتداءات إيرانية جديدة على دول المنطقة