الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مدينة أربيل بعيون الرحالة: مرآة الزمان وتحوّلات المكان

عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

2025 / 6 / 8
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


أربيل كما لم تُرَ من الداخل فقط
لم تكن مدينة أربيل، عبر القرون، مجرد نقطة عبور في خرائط الشرق، بل كانت حاضرةً نابضة، تنبض بهوية ثقافية وتاريخية معقدة تشبه فسيفساء متعددة الطبقات. ولأن المدينة لا تُعرَف فقط من داخلها، فإن وصفها في عيون الرحالة يُقدِّم مرآة خارجية ثرية لفهم صورتها في العصور المختلفة. من ياقوت الحموي إلى نيبور، ومن غيرترود بيل إلى الرحالة العثمانيين، تكوّنت لدينا صورة مركّبة لأربيل: قلعتها، ناسها، سوقها، وملامحها المعمارية والاجتماعية.

1. السياق التاريخي للرحلات: متى ولماذا زاروا أربيل؟
امتدت رحلات الرحالة إلى أربيل ما بين القرنين الثالث عشر والعشرين، وكانت دوافعهم متنوعة:

منهم من قصدها هاربًا من الغزو كما فعل ياقوت الحموي بعد اجتياح التتار.

ومنهم من جاء في إطار بعثات استكشافية مثل كارستن نيبور،

أو عمل استخباراتي وسياسي كما في حالة غيرترود بيل.

أو ضمن رحلات دبلوماسية كما فعل الرحالة العثمانيون في تقاريرهم الإدارية.

كل واحدٍ منهم كتب عن المدينة من موقعه، مما يعطينا لوحة غنية بالمقاربات والانطباعات المتفاوتة.

2. ياقوت الحموي (ت. 1229م): مدينة في قلب القلعة
في كتابه معجم البلدان، يصف ياقوت أربيل في بداية القرن الثالث عشر وصفًا دقيقًا، مشيرًا إلى أن "القلعة تعلو ما حولها، ولها شأنٌ عظيم، وفيها أسواق وجوامع ومنازل كثيرة، وهي مقرّ للأمراء والعلماء".
لقد كانت أربيل بالنسبة إليه مدينة علم وأمان، حيث لاذ بها فترة من الزمن.

نلمس في وصفه اهتمامًا بالبنية العمرانية والوظيفة الدينية والتعليمية، ما يدل على ازدهار القلعة كمركز مدني وثقافي، وليس فقط حصنًا عسكريًا.

3. الرحالة العثمانيون: بين التقارير الإدارية والانطباعات الشخصية
الرحالة والإداريون العثمانيون الذين كتبوا عن أربيل خلال القرن السادس عشر حتى التاسع عشر، مثل أولئك الذين شاركوا في حملات تيمورلنك ثم لاحقًا ضمن الحملات الإصلاحية العثمانية، ركزوا على:

عدد السكان والمذاهب الدينية،

الوضع الضريبي،

البنية التحتية (القلعة، الأسواق، الطرق)،

العلاقات مع القبائل المجاورة.

وصفهم غالبًا ما اتسم بالتجريد الإداري، إلا أن بعضهم أشار بإعجاب إلى جمال الطبيعة المحيطة، وكرم السكان.

4. كارستن نيبور (1765م): دهشة أوروبية أمام قلعة الطين
زار نيبور أربيل ضمن البعثة الدنماركية الشهيرة إلى اليمن والشرق، ووصفها بأنها "مدينة صغيرة مبنية على تل ترابي، محاطة بسور من الطين المشوي، سكانها خليط من الأكراد والتجار الفرس، ويبدو أن حياتهم تمضي في هدوء بعيد عن صخب المدن الكبرى".

أسلوب نيبور علمي، دقيق، لكنه ينطوي أحيانًا على دهشة أوروبية من بساطة العمران ونمط الحياة، رغم احترامه لنظام الأسواق والمساجد.

5. غيرترود بيل (1909م): بين الدهشة الاستعمارية والتوثيق الحداثي
في إحدى رسائلها من أربيل، كتبت بيل:

"إنها مدينة عجيبة، القلعة ترتفع فجأة من الأرض، كأنها تلٌ مقدّس، أهلها يحتفظون بعادات غريبة، لكن فيها شيء من التوازن لا أراه في المدن الأخرى."

غيرترود بيل التقطت صورة لقلعة أربيل من خارجها، وعدّت المدينة مكانًا يختزل التقاليد الكردية والشرق الإسلامي. لكنها كتبت أحيانًا بلغة استعمارية، تميل إلى تصوير السكان كـ "مادة إثنوغرافية" أكثر من كونهم أناسًا حقيقيين.

6. ما أغفله الرحالة: الغائب في النصوص
رغم غزارة الأوصاف، لم يتناول أغلب الرحالة:

الحياة الداخلية في البيوت (إلا إشارات سريعة).

دور النساء في الأسواق أو الحياة العامة.

تفاصيل الحياة الثقافية غير الدينية (مثل الأغاني، الحِرَف، الاحتفالات الموسمية).

ويُرجع ذلك إلى خلفيتهم الذكورية، وتقييدهم بحركات محددة داخل المدينة، فضلًا عن أن بعضهم كان يعبر المدينة مرورًا.

7. التحوّل عبر الزمن: صورة تتغيّر وأساس يبقى
بمقارنة أوصاف أربيل بين القرون الثلاثة عشر والثامن عشر والتاسع عشر، نلاحظ:

استمرارية القلعة كمركز حضري رغم تغيّر من يسكنها.

السوق حاضر دائمًا كعلامة حضارية.

التنوّع الإثني بين أكراد، عرب، يهود، فرس، تركمان.

لكننا نلحظ أيضًا تحوّل المدينة من مركز إداري وثقافي كبير في العصور الإسلامية إلى مدينة متوسطة الحجم في العصر العثماني، ثم إلى بلدة مهمّشة جزئيًا في بدايات القرن العشرين قبل أن تنهض مجددًا لاحقًا.

8. أربيل في الذاكرة المعاصرة: إعادة قراءة النصوص القديمة
اليوم، ونحن نقرأ وصف أربيل في دفاتر الرحالة، نعيد اكتشاف المدينة.
القلعة لا تزال قائمة، وإن لم تعد مأهولة بالسكان.
الأسواق ما تزال تنبض، ولو بلون الحداثة.
وذاكرة المدينة محفوظة لا فقط في نصوصهم، بل في ذاكرة أهلها، وفي عيون من عاشوا فيها وشهدوا على تحوّلاتها.

الرحالة كتبوا عنا، فلنكتب نحن عن أنفسنا
لم تكن نصوص الرحالة حيادية، لكنها مهمة.
وقد آن الأوان ألا تبقى هي السرد الوحيد عن ماضينا.
فإذا كتب ياقوت وأمثاله عن أربيل كما رأوها من الخارج، فعلينا اليوم أن نكتب عنها من الداخل: بلغتنا، بذكرياتنا، بأحلامنا.
أربيل ليست فقط ما قيل عنها، بل ما يمكن أن نقوله نحن عنها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القوات الأمريكية تستهدف 5 ناقلات إيرانية وطهران ترد.. ما آخر


.. سفيرة فلسطين لدى فرنسا: -الأولوية هي إنهاء الاحتلال وتفكيك ا




.. تقرير نشرته -هآرتس- يؤكد تلقي نتنياهو تحذيرا إماراتيا قبل أي


.. الحوثيون يستهدفون 4 مدن في العمق السعودي.. ما دلالات هذه اله




.. صحافيون في تونس يحتجون على تضييق الحريات ويطالبون بالإفراج ع