الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين رصاص الحدود وظلال الوطن: مأساة العودة في قلب التوتر المغاربي
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2025 / 6 / 8
حقوق الانسان
في لحظة تعكس تعقيدات الواقع المغاربي، وفي مكان لا يفصل بين بلدين سوى خط وهمي مغموس بمياه البحر المتوسط، تبرز قصة ثلاثة شبان جزائريين اختاروا سباق البحر عائدين إلى وطنهم، بعدما خابت آمالهم في عبور الحدود المغربية نحو إسبانيا، رحلة عكس التيار، يملؤها اليأس والخذلان، لكنها سرعان ما تتحول إلى مأساة كادت أن تُكتب بدماء أبرياء على شواطئ الحدود. هذا المشهد لم يكن مجرد حادث عرضي، بل رمز حي لتشابك الأزمات السياسية والإنسانية التي تعصف بالمنطقة، حيث حدود الدول ليست فقط فواصل جغرافية، بل أسواراً تمنع الإنسان من حقه الأساسي في العيش بكرامة داخل وطنه.
الأسلحة الموجهة إلى هؤلاء الشباب من جنود بلدهم، مع سوء الفهم الذي كاد أن ينهي حياتهم، ليست سوى انعكاس لحالة انعدام الثقة والفزع التي تتغلغل في عقول وأجساد منظومة عسكرية لم تعد ترى في شعبها إلا تهديدًا. النظام الجزائري الذي يتخذ من العسكر صمام أمانه، يعيش حالة من الهوس الأمني المفرط التي تُفقده بوصلة تمييزه بين الخصم الحقيقي والمواطن العائد. هذا الموقف يكشف هشاشة الدولة ومخاوفها العميقة من الداخل، مخاوف تعكس أزمة هوية مزمنة، حيث المواطن ليس جزءًا من الوطن بل مصدر تهديد محتمل، حتى وإن كان هو نفسه يبحث فقط عن وطنه.
تدخل الجندي المغربي لتنبيه نظرائه الجزائريين لهوية هؤلاء الشباب ليس فقط مشهدًا إنسانيًا نادرًا وسط هذه التوترات، بل إشارة قوية على أن الحكمة والإنسانية ما تزال ممكنة رغم كل الجدران العالية التي شُيدت بين البلدين. هو تدخل يحمل في طياته سؤالاً وجوديًا: ماذا لو غاب هذا الصوت الحكيم؟ هل كانت النتيجة ستكون قتل أبناء الوطن بأيدي جيشهم؟ هذا السيناريو المرعب يسلط الضوء على مدى هشاشة الواقع الذي تعيشه المنطقة، حيث التحالفات والعداوات السياسية تفوق في قسوتها أحيانًا القيم الإنسانية البسيطة.
الواقعة تكشف عن تناقضات صارخة؛ ففي الوقت الذي يُنتظر فيه من الدولة أن تكون ملجأ أبنائها، تصبح الحدود خط النار الذي يستقبلهم برصاص لا رحمة فيه. الحدود، التي يفترض أن تكون خط فصل تنظيمي، تحولت إلى خط موت حقيقي، يرمز إلى غياب الأمن الحقيقي والحرية التي يجب أن تُمنح للمواطنين. هذا المشهد يجعلنا نتساءل عن مصير كل من حاول العودة إلى الوطن في ظروف أقل حظًا، عن كم القصص التي لم تُروَ، وعن الأرواح التي ضاعت في صمت، بينما تبقى الخطوط العريضة لصراع سياسي أعمى.
ما هو أكثر إثارة للقلق هو أن هذا الحادث لم يكن صدفة، بل تعبير عن منهجية تتغذى على الخوف من المواطن، على فرضية أن المواطن هو العدو الأول، وعلى الاستعداد لاستخدام القوة المفرطة ضده. وهذا ليس بالأمر الجديد، لكنه يصل إلى ذروته في مثل هذه الحوادث التي تظهر الوجه المظلم للأنظمة التي تضع البقاء فوق كل اعتبار، حتى وإن كان على حساب دماء أبنائها. عسكر الكابرانات، كما وصفهم الكاتب، لا يرون في شعبهم إلا تهديدًا دائمًا، وهذا الوصف يعكس مدى عمق الشرخ بين السلطة والمجتمع، ويرسم صورة قاتمة عن مستقبل منطقة تتخبط في أزمات متتالية.
في الجزائر، يبدو أن العودة إلى الوطن ليست مجرد خطوة جغرافية، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر التي قد تفضي إلى الموت، لا لأن الوطن غير مرحب بأبنائه، بل لأن أجهزة الدولة لا تثق بهم ولا تفرق بين العدو والصديق. حالة من التوتر الداخلي المتصاعد، وأسلوب حكم مبني على التخويف والقمع، يجعل من كل لحظة في حياة المواطن احتمالاً لتهديد وجوده، ويجعل من الحدود ساحة لتمثيل مأساة إنسانية حقيقية. فكيف يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله على هذه القاعدة؟ وكيف ستظل دول الجوار تشهد على هذا الواقع دون أن تحرك ساكنًا؟
هذه القصة تكشف أكثر من مجرد حادثة عابرة، إنها مرآة لحالة إنسانية وأمنية وسياسية معقدة، تكاد تخنق المواطن وتقتله قبل أن يخطو خطوة في حياته. كما أنها دعوة صريحة لإعادة النظر في العلاقة بين الدولة وشعبها، وإعادة بناء جسور الثقة التي دُمرت. لا بد من مراجعة السياسات الأمنية التي ترهب المواطن بدل حمايته، والتفكير في مستقبل يتخطى الخوف والريبة، ويؤسس لعلاقات إنسانية أكثر رحمة وصدقًا بين الشعوب التي تربطها أواصر الجغرافيا والتاريخ.
ما حدث على شاطئ السعيدية ليس قصة شباب جزائريين فقط، بل قصة كل إنسان يبحث عن الأمان، عن وطن لا يقيده الخوف، عن حقه في العودة إلى حيث ينتمي، عن حقه في الحياة بدون رصاص يقف في طريقه. هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه المنطقة، وتجاهله قد يكون فاتورة باهظة يدفعها الجميع في النهاية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع
.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر
.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق
.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق