الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدين والعلم: من الخصومة الوهمية إلى التعاون الحضاري
عبدالله يحيى العروسي
2025 / 6 / 8قضايا ثقافية
في خضم الصراعات الفكرية، والانشطارات الحضارية، والانقسامات التي تطال كل جوانب الحياة، يبرز سؤال جوهري: هل العلاقة بين الدين والعلم صراع محتوم؟ أم أن ما نعيشه اليوم هو خصومة وهمية افتعلها الخوف، وغذّتها الأدلجة، وساهم الإعلام في تكريسها؟
لقد آن الأوان لإعادة ضبط هذه العلاقة على أسس من الإنصاف، والتأمل، والانفتاح المعرفي.
أصل الإشكال: هل يتعارض المقدس مع المكتشف؟
يتصور كثيرون أن الدين والعلم يقفان على طرفي نقيض، وأن أحدهما لا يُزدهر إلا بإقصاء الآخر. هذا التصور نابع من إرث تاريخي خاص بأوروبا، حيث اصطدمت الكنيسة الكاثوليكية بالعلماء، مما ولّد ما يُعرف بـ"القطيعة المعرفية".
لكن هذه الخلفية لا تصلح لتأطير علاقة الدين بالعلم في الإسلام، إذ لم يعرف تاريخنا الإسلامي – في أزهى عصوره – مثل هذه القطيعة. بل كان العلماء الربانيون والفقهاء الطبيعيون هم بناة الحضارة الإسلامية، من أمثال ابن الهيثم، والرازي، وابن النفيس، وغيرهم، ممن جمعوا بين الفقه والفيزياء، بين الوحي والتجريب.
الوحي والعقل: تكامل لا تناقض
القرآن الكريم لا يعادي العلم، بل يحفّز عليه، ويجعله مدخلًا لفهم سنن الله في الكون. وقد وردت أكثر من 750 آية تتحدث عن الكون والطبيعة والإنسان، بأسلوب يُوقظ الحس العلمي لدى المؤمن:
"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..." [فصلت: 53]
وهذا التكامل يعني أن الدين لا يُقدم إجابات تفصيلية عن قوانين الفيزياء أو الوراثة، لكنه يُرسي الإطار القيمي والمعنوي الذي يُنظم حركة العقل في البحث والاكتشاف، ويمنع انزلاق العلم إلى العبث أو الجريمة أو الاستبداد التقني.
أزمة الحداثة: علم بلا ضمير
شهد العالم المعاصر تقدّمًا علميًّا هائلًا، لكنه ولّد في المقابل هشاشة روحية، وانعدام بوصلة أخلاقية. من الذكاء الاصطناعي إلى الهندسة الوراثية، ومن وسائل الاتصال إلى أدوات القتل، تقف الإنسانية على حافة خطر لا يمكن تفاديه إلا بإعادة إدماج القيم الدينية في مسار المعرفة العلمية.
ما يحتاجه العالم اليوم ليس المزيد من "البيانات"، بل مزيدًا من الحكمة؛ وليس تسريع "الخوارزميات"، بل توجيهها نحو الخير؛ وليس كسر "الحدود"، بل بناء الإنسان المتكامل علمًا وضميرًا.
نحو عقد حضاري جديد: من التنابذ إلى التكامل
الحل ليس في تقديم الدين كبديل للعلم، ولا في اختزال الدين ليخدم العلم، بل في صياغة عقد حضاري جديد تُعاد فيه صياغة العلاقة على شكل ثلاثي:
الدين كمصدر للقيم والمرجعية الأخلاقية.
العلم كأداة لاكتشاف قوانين الكون وتحسين الحياة.
الفلسفة كوسيط نقدي وتأويلي يربط بين المعنى والتطبيق.
هذه الثلاثية تُمكننا من بناء حضارة متوازنة، لا تُقصي أحدًا، ولا تُسرف في تقديس العقل أو الغيب، بل تمنح الإنسان مكانته الكاملة ككائن معرفي أخلاقي.
خاتمة: نحو وعي معرفي سيادي
نحتاج في العالم العربي إلى تجاوز الأطر المستوردة التي فُرضت علينا، وإلى استعادة مشروع معرفي جامع، يكون الدين فيه مرجعًا لا عبئًا، والعلم وسيلة لا صنمًا، والفكر جسرًا لا جدارًا.
حين نفهم أن الخصومة بين الدين والعلم كانت "وهمية"، نفتح الباب أمام تعاون حضاري حقيقي، تُستأنف فيه رسالة الاستخلاف، ويتحقق فيه شرط "العقل الواعي"، القادر على بناء نهضة لا تكرر خطايا الغرب ولا تغرق في اجترار الماضي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد مباراة الأرجنتين: غضب مصري، جرائم الكترونية والضحية أسرة
.. الجيش الأردني يعلن اعتراض 4 صواريخ أطلقت من إيران باتجاه الم
.. ماذا بقي من رهانات حزب الله في جنوب لبنان؟
.. هل يوجه ترامب الضربة الأقوى لإيران خلال ساعات؟ | تغطية خاصة
.. لتقديم واجب العزاء.. ولي العهد الكويتي ورئيس الوزراء الباكست