الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مديونية المغرب: حين يتحوّل الدين إلى أسلوب حياة

الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)

2025 / 6 / 9
العولمة وتطورات العالم المعاصر


حين قرأت تقرير البنك الإفريقي للاستيراد والتصدير حول وضعية الدين الخارجي في إفريقيا، لم أندهش لترتيب المغرب في المرتبة الرابعة ضمن الدول الأكثر مديونية. لم أندهش، لكنني شعرت بانقباض صامت. لأن الأمر لا يتعلق برقم معزول في جدول، بل بموقع حساس في خريطة اقتصادية ملغّمة، وبسؤال كبير يتجنبه الخطاب الرسمي: هل نحن بصدد بناء نموذج تنموي أم مجرد تأجيل مرتب لأزمة قادمة؟

أن تستحوذ المملكة على 5.9% من إجمالي الدين الخارجي للقارة ليس مجرد تفصيل إحصائي، بل هو مدخل مشروع لفتح النقاش حول طريقة تدبيرنا للمالية العمومية، وعن الفجوة المتزايدة بين طموح الدولة في التنمية وبين قدرتها الفعلية على تمويلها. فالدين، في نهاية المطاف، ليس عيبًا في ذاته، لكنه يصبح مقلقًا حين يتحول إلى عادة، إلى أسلوب يومي في ترتيب الميزانية، إلى مسكن مؤقت لعجز بنيوي لا نعالجه بل نجمّله.

اللافت في التقرير أن ست دول فقط، بينها المغرب، تتحمل نصف مديونية القارة بأكملها. وهذا التركيز ليس مقلقًا فقط من زاوية الأرقام، بل من زاوية الجغرافيا السياسية أيضًا. لأن أي زلة مالية في واحدة من هذه الدول قد تُطلق سلسلة اهتزازات تطال الجوار، وتُربك الأسواق، وتُخرجنا من الاستقرار الهش الذي نتشبث به كمن يتعلق بطوق نجاة في عرض المحيط.

التقرير لم يطلق صفارة الإنذار، لكنه لم يوزع صكوك الاطمئنان أيضًا. وصف الوضع المالي المغربي بـ"المستقر نسبيًا"، وهي عبارة دبلوماسية كفيلة بإثارة الشك أكثر من زرع الثقة. الاستقرار النسبي لا يصمد كثيرًا أمام تحولات الأسواق العالمية، خصوصًا في ظل موجات متتالية من تشديد السياسات النقدية، وركود شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، واشتداد التنافس على الموارد المحدودة.

في خضم هذا السياق، لا يكفي أن نُحافظ على تصنيفنا الائتماني، أو أن نحصل على قروض بشروط ميسّرة، بل نحتاج إلى ما هو أعمق: رؤية واضحة لتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي، وبناء مصادر داخلية حقيقية للإنتاج والثروة. وهذا يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وجرأة في تقييم السياسات السابقة، وشفافية مطلقة في كشف أوجه صرف القروض، وقياس أثرها على الأرض، لا في تقارير المجالس ولا في المراسيم الوزارية.

المفارقة أن دولًا مثل الجزائر أو ساحل العاج، رغم ما تعيشه من أزمات هيكلية، لم تظهر في مقدمة الدول الأكثر مديونية. فهل نحن أكثر طموحًا منها؟ أم أقل حكمة في تدبير تمويل مشاريعنا؟ أم أن بعض الدول اختارت أن تخفي هشاشتها، فيما نحن نُراكم الأرقام تحت شعار الشفافية و"الثقة في المؤسسات الدولية"؟

ربما آن الأوان لنعترف بأننا لا نُحسن مخاطبة المستقبل، ما دمنا نحمّل الأجيال القادمة أعباء مديونية لم تُستشر فيها، ولم تستفد من نتائجها. وربما علينا أن نعيد تعريف مفهوم "النجاح الاقتصادي"، فليس النجاح أن تملأ دفاتر الحسابات، بل أن يشعر المواطن بفرق في حياته اليومية: في جودة التعليم، في الخدمات الصحية، في فرص الشغل، وفي الكرامة الاجتماعية.

المديونية قد تكون ضرورة مرحلية، وقد تكون خيارًا خاطئًا. الفارق بين الحالتين هو في من يقود السفينة، وفي أي اتجاه يوجّهها. أما أن نظل نُقترض لنُسدد، ونستهلك لنستدين، فذلك ليس نموذجًا اقتصاديًا، بل هو وصفة لتأجيل الأزمة إلى حين، وربما إلى من لن يجد حتى فرصة تأجيلها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف سقطت شبكات احتيال جمعت مئات الملايين حول العالم؟ | مسائي


.. الجيش الكويتي يعلن اعتراض عدد من الصواريخ الباليستية والمسيّ




.. منتخبا فرنسا وإنجلترا يلتقيان في مباراة البحث عن نهاية إيجاب


.. الأرجنتين وإسبانيا.. قمة بين ميسي ولاعبي برشلونة الشباب




.. الإنجليزية للمبتدئين: كيف نتحدث عن الماضي باستخدام الأفعال غ