الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأسى وسطوة الفقد في نص (قشعريرة نبض) للشاعرة سوسن يحيى

داود السلمان

2025 / 6 / 9
الادب والفن


(1)
النص يدور حول رثاء الأم والتعبير عن ألم الفقد والاغتراب الوجودي بعد رحيلها. تتجلى مشاعر الشوق، والانكسار، ويبدأ الاحساس بالضياع، والتساؤل الوجودي في نبرة النص. الشاعرة تستحضر الأم كرمز للحنان والأمان، ولذلك الحضن الدافئ، ومع غيابها، تتهشم المعاني، وتفقد الحياة توازنها، وينطفئ رونقها.
(2)
والنص عموما، يشكل ظاهرة مستديمة في عالم الأدب الحديث، كنص نثري، حيث قصيدة النثر أصبحت لها عالمها الخاص، فهي كقيمة أدبية، عوالم قائمة بذاتها، ولها من يؤيدها ويكتبها برمزيتها.
وعندما سُئل الناقد الكبير عبد الله القذامي، عن قصيدة النثر، قال بالحرف الواحد :"قصيدة النثر أصعب أنوان الشعر، واتذوقها وأفرح بنصوصها. لكنني لأم أنتقدها حتى الآن احتراما لهيبة النص، وخوفا من ظلم التجربة".
(3)
في كتابي النقدي "نكهة المعنى" بينتُ: إن الشاعر دائمًا ما يتعامل بالخيال، فالذي يمتلك خيالاً واسعًا، وحسا مرهفا، وغير ذلك مما هو معروف عن الشاعر، قديما وحديثا، لذلك تجده اكثر ابداعًا من سواه، اعني ممن يتعامل بالتأمل والخيال وبالعاطفة، ونستطيع أن نقول: هو عكس العالم والفيلسوف، وعكس الانسان المنتج، كالعامل والصانع، وبمعنى غير هذا المعنى، إنّ الشّاعر ادواته الخيال، ودائمًا ما تجده محدقا بالنجوم، ويعشق الليل، لأن الليل يصفّي ذهن الشاعر، مما تتكدس في مخيلته الهموم والاشجان وكذلل الحنين، ومن هتين الحالتين يبدأ ببث ولواعجه وشكواه، وعتبه على الزمن الذي فرقه عن الأحباب والأهل والأصدقاء، كإن، مثلا، يعيش في غربة، في مدن نائية، تجد الشاعر ديدنه وسلوته الشعر- غالبا، فالشعر هنا يكون هو الصديق الاقرب للشاعر، يجلس معه ويحاوره، واحيانا يتناول معه كأس الطلا، فهو بمعنى نديمه الذي لا يمله ولا يسأم من جلسته واحاديثه.
(4)
نلاحظ، نبرة الحزن طاغية على الجو العام، النص يبدأ بلغة مغموسة في الأسى والمرارة، "علقمٌ حرفي" - تشبيه مباشر يجسد كيف أصبح الحرف مرًا، دليلًا على شدة الألم، وقسوة التجربة. النداء واليأس: "أتسمعين يا أمي؟" - نداء مستحيل، ينم عن رغبة جامحة في التواصل مع الغائب، أي الأم - الكيان الذي هو سمة من سمات الروح.
فالنص يفيض بصور فقدان البوصلة، الضياع الوجودي، وشح الأمان، وهو ما يتكرر عبر الصور المجازية مثل: "تيه الأبجدية"، "شرود المعاني"، "ضاعت بوصلة الدرب".
وهنا، صور مركبة ومكثفة: "يسقيه النسيان" – النسيان يُشبه بمشروب مُر، مما يضيف بعدًا حسيًا للحزن. "اقشعرّ نبض البحر" – تجسيد البحر وكأنه كائن حي يتفاعل مع مشاعر الشاعرة، مما يضخم حجم الأسى. "شرود الألحان"، "زمهرير حرماني" – كل صورة تحمل مفردات شعورية قوية، تربط بين الموسيقى والبرد، في استعارة عن قسوة الفقد. لغة انسيابية لكنها متقطعة بالشجن: تعتمد على التوازي أحيانًا "عزاءٌ وانتحابٌ"، "شرود المعاني وتيه الأبجدية" مما يكرّس التكرار الدرامي للوجع.
"يا سجدة السنا" و"عودة الصبح لدجنة الأحضان" -استعارات روحية توظف رمزية النور/ الصبح كخلاص، والأم كصلاة/ رجاء، مما يضفي بُعدًا صوفيًا للتجربة. أيضًا "ومن يغفر لقصيداتي" يوحي بتأنيب ذاتي، كأن الحزن ذاته خطيئة يبحث عن غفرانها.
و دلالات المكان تكمن في: "المدن"، "الأوطان"، "الفلاة" – تتحول الأم إلى مركز وجودي، وغيابها يؤثر في الأشياء من حول الشاعرة: الأماكن تفقد معناها، والوطن يصبح بلا اسم، دلالة على عمق الفراغ الذي خلّفه الفقد.
(5)
إلى أن تختتم الشاعرة سوسن يحيى نصها بصورة ملحمية عن تفاعل الطبيعة مع الألم الإنساني: "ذابت أمواجه بين براكين لوعتي وزمهرير حرماني" - البحر يتماهى مع الذات الحزينة، ليمثل أقصى درجات التأثر. وهي بذلك تختصر الشجن بها النص الذي عبّر عن حزن مكبوت، ازاء الأم – الفقيدة، بهدف تخفيف وطأة الفراق الذي حز بنفسها.
(6)
النص:
علقمٌ حرفي
كصمتٍ
يطعم الفلاة مر الصبر
وينادي الهزيع
بأنين نخبٍ
يسقيه النسيان
وعيدي عزاءٌ وانتحابٌ
تنعيه قوافي الهجر
وتبكيه شرود الألحان
وصدى مريبٌ
بغتالني
أ تسمعين ياأمي
هدير الشوق المضمخ
بهذيان الشعر والأشجان؟!
أَ فراقٌ هذا
ام خرائبٌ للمنايا
في دمي
يرعبُ وحشتي كإملاقٍ
في عزلةٌ الأمان
كم بليت برزايا الفقدِ
دهورا
ورحيلكِ أدهى
مابلاني به الزمان
يا سجدة السنا
ارجو بها عودة الصبح
لدجنة الأحضانِ
ومن يغفر لقصيداتي
النائحات نشيجها
وبوح سرها المدانِ
يالجمودِ الصبر
في لغتي
وتيه الأبجدية
وشرود المعانِ
يالغربة عمري الاتي
فقد ضاعت بعد عينيك
بوصلة الدرب والأمان
وشاخت ملامح المدن
واغتيلت أسماء الأوطان
وغاصت في دياجبر السهد
اشرعتي وسلمتُ
مقود الروحِ
لربّان الاحزانِ
حتى اقشعرّ نبضُ
البحرِ من دفق أدمعي
وذابت أمواجه
بين براكين
لوعتي
وزمهرير حرماني
*سوسن يحيى








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع




.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى




.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات