الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بوجلود بين الذاكرة والتشويه

الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)

2025 / 6 / 10
قضايا ثقافية


كنت دائمًا أظن أن "بوجلود" مجرد طقس غريب ابتدعه بعض الشباب من باب العبث في الأزقة بعد عيد الأضحى. كنت أراه عرضًا طائشًا يُمارَس في الهامش ويُسَجّل بهواتف المارّة كنوع من الفكاهة المؤقتة، ولا يخطر في بالي لحظة أنه ظاهرة ضاربة في التاريخ، متجذرة في وجدان ثقافة عريقة. لم أكن أعرف أنه من بقايا تقاليد أمازيغية ضاربة في القدم، كانت ترتبط بمفاهيم أعمق بكثير من جلد الكبش والركض خلف الأطفال. ولكن حين شرعت في البحث، مدفوعًا بفضول شخصي، وجدت نفسي أمام ظاهرة ذات دلالات مركّبة، تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ"الرمزية الشعبية المهملة"، التي لطالما لعبت دورًا في تهذيب الذاكرة الجماعية وتنفيس مكبوتاتها.

تاريخيًا، لم يكن "بوجلود" مُجرّد راقص متخفي خلف جلود الحيوانات، بل كان يحمل في طياته بقايا أساطير رعوية قديمة، تعيد الاعتبار للحيوان بعد ذبحه، وتمنح الجسد البشري فرصة للتحرر المؤقت من النظام عبر التقمّص والعبث. في العمق، كانت طقوس بوجلود نوعًا من الرقص مع الموت، استرجاعًا لحيوية ما بعد الدم، وتنفيسًا اجتماعيًا يسمح بإعادة التوازن النفسي بعد شعائر العيد، عبر الضحك، والمطاردة، والفوضى المؤطرة بتقاليد عرفية.

لكن اليوم، ونحن نعيد النظر في هذا الطقس، لا بد من الاعتراف بأن "بوجلود" قد تغيّر. لم يتغير فقط في نظرة الناس إليه، بل في جوهر ممارسته. ففي عدد من المدن والقرى، لم يعد الشخص الذي يرتدي الجلود يخرج وفق تقاليد واضحة أو محكومة بقواعد رمزية محلية، بل تحول غالبًا إلى متنكر مجهول الهوية، يخرج وسط الفوضى، وقد يتحول من حامل لرمز إلى مصدر تحرش أو ترويع حقيقي. كثير من الممارسات خرجت عن طابعها التقليدي، وتحولت إلى انزلاقات أخلاقية وسلوكية مقلقة: مراهقون يتحرشون بالنساء تحت ذريعة "التنكّر"، آخرون يتخذونه فرصة لتصريف عنف دفين أو تسوّل مقنّع، أو حتى مظهر استعراضي تلتقطه الهواتف ويُضحك "السوشل ميديا".

ملابس بوجلود نفسها لم تعد تلك الجلود التي تنبعث منها رائحة الذبيحة، بل أزياء غريبة هجينة، ممزوجة أحيانًا بأقنعة مستوردة من ثقافات لا علاقة لها بالسياق، وكأننا أمام نسخة مشوّهة من "الهالوين"، لا تحفظ من التراث سوى الاسم. لقد فرّغت هذه التحولات الطقس من محتواه، وبات أقرب إلى تقليد فارغ أو سلوك فردي مفصول عن جذوره الجماعية.

المؤلم أن هذا الانحراف لا يواجه فقط بالردع أو التوجيه، بل يُستغل أحيانًا في صناعة الفرجة أو النكثة أو الإثارة الرقمية، دون وعي جماعي بحجم الخسارة الثقافية التي نتكبدها حين نُفرّغ رموزنا من سياقها. الدولة، من جهتها، تكتفي بالمنع أو الترخيص المشروط، دون الدخول في جوهر المسألة: كيف نحمي الذاكرة من التشويه، لا من الممارسة فقط؟ والمجتمع نفسه، الذي فقد تواصله مع أساطيره، صار إما رافضًا لما لا يفهم، أو ساخرًا مما لا يستطيع استيعابه.

بوجلود كان ينتمي إلى ثقافة تصالحية مع الجسد والفرح والخوف والرمز. أما الآن، فقد أصبح يتأرجح بين العشوائية والتفاهة. لم يعد يُمارَس في ظل رقابة عرفية أو احترام لحدود الطقس، بل بات يتحول في أحيان كثيرة إلى أداة إزعاج، بل وإهانة للمرأة تحت غطاء "اللعب"، ووسيلة للتسول العنيف، أو حتى للتمويه في ارتكاب السلوكات الخارجة عن القانون.

وكل هذا لا يعني أن الأصل كان مثاليًا أو طهرانيًا، بل فقط أنه كان مؤطرًا، مفهومًا، جزءًا من منظومة تراثية لها رموزها، توقيتها، شخصياتها المحترمة، وحدودها المعروفة. حين نفقد هذا التأطير، ونُبقي فقط على القشرة، تتحول الطقوس إلى كاريكاتير.

الأسئلة التي تطرح نفسها الآن ليست عن ضرورة المنع أو السماح، بل عن الكيفية: كيف نحفظ ما تبقى من ذاكرتنا الجماعية دون أن نحولها إلى مجرد فرجة أو تهريج؟ كيف نعيد لبوجلود معناه دون أن نتركه فريسة بين الابتذال والمنع؟ وكيف نقنع الأجيال الجديدة بأن هذا الطقس لم يكن مجرد مطاردة مراهقين للنساء أو طلب نقود بطريقة مضحكة، بل كان – يومًا ما – جسدًا رمزيًا لحكاية مجتمعية كاملة عن الإنسان والحيوان والمقدّس واللعب والحذر؟

بوجلود ليس ظاهرة معزولة. هو عرض لحالة أعمق: علاقتنا المأزومة بتراثنا، ومحاولتنا المستمرة لإما دفنه باسم التحديث، أو تشويهه باسم "الإحياء". وما بين هذا وذاك، تضيع الحكاية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يهدد بضرب منشآت مدنية في إيران.. هل تبدأ مرحلة التصعيد


.. محاولة فهم | جامعة الدول العربية.. بين وحدة الموقف وتباين ال




.. بعد 8 عقود.. لماذا لم تصبح جامعة الدول العربية اتحادا بصلاحي


.. تونس والجزائر تواجهان موجة حرائق واسعة وعمليات الإخماد مستمر




.. رئيس لبنان يحسم أمر السلاح: لا آمان إلا بجيش واحد