الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المرأة ما بين الحرية وهشاشة الهوية الذاتية
إياد هديش
2025 / 6 / 12قضايا ثقافية
التمييز بين المرأة الحرة ومن تدّعي الحرية لا يُقاس بالمظهر أو الشعارات، بل بعمق النضج النفسي، واتساق السلوك مع القيم الذاتية. فالمرأة الحرة لا تحتاج إلى إثبات وجودها من خلال الضجيج أو ردود الفعل، بل تعرف نفسها من الداخل، وتثق بخياراتها، وتُمارس حريتها بوعي ومسؤولية، دون أن تتعدّى على أحد، أو تُلغي وجود الآخر.
في المقابل، من تدّعي الحرية قد ترفع شعارات براقة وتتبنى مواقف صاخبة، لكنها في العمق تعاني من ارتباك داخلي وصراع بين ما ترغب أن تكونه، وما تعجز عن تحقيقه فعليًا. قد تُظهر استقلالية ظاهرية، لكنها في الحقيقة تعتمد على نظرات الإعجاب والتأييد الخارجي لتثبيت صورتها أمام نفسها. هذا النوع من "التحرر" ليس سوى قناع هشّ يُخفي خلفه هشاشة في الهوية الذاتية، وقلقًا مستمرًا من الرفض أو التلاشي.
ومن أكثر السلوكيات دلالة على هذه الهشاشة النفسية هو انتهاك خصوصية الآخرين والتعدي على مساحتهم الشخصية، تحت غطاء "الحرية" أو "الصراحة". من المنظور النفسي، فإن انتهاك الخصوصية لا ينبع من وعي أو جرأة، بل من اضطراب داخلي في الحدود النفسية بين الذات والغير. المرأة التي تُفشي أسرار الآخرين، تتدخل فيما لا يعنيها، أو تتجاوز في نقدها وحُكمها، قد تظن أنها حرة، بينما هي في الواقع تمارس نوعًا من السيطرة القسرية لتعويض شعور دفين بعدم الأمان أو عدم الاكتفاء الذاتي.
هذه الرغبة في "احتلال المساحات" لا تأتي من قوة، بل من شعور خفي بالهشاشة. فكلما ضعفت علاقة الإنسان بذاته، زادت حاجته إلى إثبات وجوده على حساب الآخرين. ولذلك، فإن التعدي على الخصوصية لا يكون فقط فعلًا اجتماعيًا خاطئًا، بل تعبيرًا نفسيًا عن غياب التمايز الداخلي، أي عن شخص لا يشعر بحدوده النفسية إلا عندما يتجاوز حدود غيره.
المرأة الحرة بحق، تدرك تمامًا أن الخصوصية ليست رفاهية، بل كرامة. لا تتجسس، لا تقتحم، ولا تفتعل الجدل لتكون محور الحديث. حضورها واضح دون استفزاز، ورأيها مسموع دون جرح. لأنها تعرف أن الحرية الحقيقية تنبع من احترام الذات، وامتدادها الطبيعي هو احترام الآخر.
أما من تمارس الحرية كشكل لا كمضمون، فتسقط سريعًا في فخ الأنانية المقنّعة، وتُبرر تجاوزاتها بأنها "رأي" أو "حياة شخصية"، بينما تنشر الفوضى، وتخسر الاحترام، دون أن تشعر بأنها فقدت بوصلة الذات.
الحرية الحقيقية ليست أن أفعل ما أشاء، بل أن أعي ما أفعل. أن أختار بصمت، وأتحمل نتائج اختياراتي. أن أتحدث دون أن أجرح، وأن أعيش دون أن أُلغِي. أن أكون حرة، دون أن أكون جارحة. وذاك هو الفارق العميق بين امرأة تعرف من تكون، وامرأة لا تزال تبحث عنها في عيون الآخرين.
⚓
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. وزير العدل الفرنسي يزور الجزائر والأولوية لتعزيز التعاون الق
.. أستراليا.. رجل يقتحم عرض أزياء عن طريق الخطأ في سيدني
.. لماذا عاد قاليباف إلى الواجهة؟ كواليس تكليفه بالإشراف على ال
.. عاجل| وسائل إعلام إسرائيلية: بدء عملية السيطرة على الأسطول ا
.. تحركات بحرية إسرائيلية لاعتراض سفن متجهة إلى قطاع غزة