الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تُختطف الحرية: المرأة ما بين التمكين والتحريض

إياد هديش

2025 / 6 / 12
قضايا ثقافية


في المجتمعات التي تسعى لبناء دولة مدنية تقوم على الحقوق والمساواة، تمثل الحرية أحد أعمدة المشروع الحداثي، لا باعتبارها شعارًا تجميليًا، بل كحق فردي غير قابل للتأويل التعسفي. ومع اتساع الحراك النسوي في العقود الأخيرة، برزت الحاجة إلى فهم دقيق للحرية كفعل مدني مرتبط بالقانون، لا كحالة انفعالية أو ردة فعل على القمع.

حرية المرأة، في السياق العلماني، ليست مسألة رأي شخصي أو ثقافة محلية، بل حق مدني أصيل تُقرّه دساتير الدول الحديثة وتكفله المواثيق الدولية. هي تعني امتلاك المرأة للقدرة على اتخاذ القرار بحرية، دون تدخل أو وصاية، وممارسة أدوارها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على قدم المساواة مع الرجل.

ومع ذلك، فإن التحولات الاجتماعية المتسارعة أفرزت ظواهر جديدة، من بينها محاولات توظيف خطاب الحرية لتبرير سلوكيات عنيفة أو لا مسؤولة. بعض النساء – على نحو فردي – لجأن إلى استخدام مفردات التحرر للدفاع عن أفعال تنتهك حياة الآخرين أو تُهدد سلامتهم، متصورات أن أي فعل شخصي، بما فيه التحريض أو التهديد، يمكن إدراجه ضمن "الحرية الفردية".

في هذا السياق، تتواجد حالات خطيرة لبعض النسوة اللاتي يحرضن على الكراهية والعنف ضد فئات أو أفراد، مستغلّات خطاب الحرية لتبرير خطاب يزرع الانقسام ويقوّض التعايش السلمي. هذه الممارسات، التي تؤدي إلى تأجيج العنف الاجتماعي، لا تمت بصلة للحرية، بل تمثل خرقًا واضحًا لقواعد الدولة المدنية، وتستدعي تدخل القانون للحد منها ومحاسبة مرتكبيها.

هذا الطرح يناقض جوهر الدولة المدنية، التي لا تتيح لأي فرد – بغض النظر عن جنسه أو دوافعه – أن يتجاوز حدود القانون. في النظام الديمقراطي الحديث، الحرية تقف عند حدود الحق العام، ولا يمكن اعتبار العنف أو التحريض امتدادًا مشروعًا لأي شكل من أشكال التمكين.

الخلط بين التمكين والتحريض، أو بين التحرر والفوضى، هو نتيجة غياب الوعي بمفهوم المواطنة الحديثة، حيث تُفهم الحرية أحيانًا بوصفها انفلاتًا من كل القوانين، في حين أنها في جوهرها علاقة تعاقدية مع الدولة والمجتمع، تقوم على احترام الحقوق والواجبات.

من المهم التأكيد أن السلوكيات الفردية الخارجة عن القانون لا تُعبّر عن الحركات النسوية ولا عن المطالب العادلة للنساء، بل تسيء لها وتُستخدم كمادة مضادة لتشويهها. كل محاولة لتحويل الحرية إلى أداة تهديد أو عنف أو تحريض هي في الواقع انقلاب على مشروع المساواة والعدالة.

لا يمكن بناء مجتمع مدني حديث دون تكريس الفصل بين الحق الشخصي والتعدي على الآخرين. والحرية، في هذا السياق، ليست صراعًا ضد أحد، بل صيغة حضارية لضمان العيش المشترك تحت مظلة القانون وحده، دون وساطة الدين أو العرف أو الأهواء الشخصية.

إن تحرير المرأة لا يعني تبرير الفوضى، بل إرساء العدالة على أساس المواطنة الكاملة، والالتزام الصارم بالمنظومة القانونية. هذا هو الفهم العقلاني، المدني، للحرية: حق مقترن بالمسؤولية، لا سلاحًا بيد من يرغب في تصفية حساباته أو فرض إرادته بالعنف.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسرائيل توسع من عمليات الاستهداف بلبنان وحزب الله يعلن عن سل


.. ترمب يجدد تأكيد انتصار واشنطن على إيران وعدم سماحه بامتلاك ط




.. كوريا الشمالية والصواريخ.. كيف بدأت الحكاية؟


.. اختطاف سفينة تقل بحارة مصريين.. ما علاقة حرب أميركا وإيران؟




.. قراءة عسكرية.. ما دلالة إعلان بريطانيا المساهمة في مهمة متعد