الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


باسم الهوية.. ذهبت

إياد هديش

2025 / 6 / 13
الادب والفن


لم تدخل حياته كالعاصفة، بل كنسمةٍ خفيفة تسبق رعد العزلة. لم تكن صاخبة، ولا مشتعلة بلهيب الادعاء، بل كانت امرأة تُجيد الإنصات لخلجات الروح البشرية، وتتقن الحضور بلا تكلف أو أقنعة اجتماعية. قالت له ذات مساء، بينما كانت تمسك فنجان قهوتها بين يديها كمن يخبئ فيه اعترافًا وجوديًا:

"أنا لا تُكبلني قواعد العرف المغفل في كوكبي المتحضّر، حيث لا قيود ولا حدود لأحلامي المتمردة. الرباط المقدّس عندي هو رباط الإنسانية، لا رباط الديانة."

قالتها بثقة من يعتقد أنه يحطم قيدًا اجتماعيًا، لا قلبًا عاشقًا للحرية. فآمن بها، ليس لأنها قالت ما يروق له، بل لأن قلبه وقتها كان يتيمًا يبحث عن مأوى يشبهها: ملاذاً للحرية.

منذ ذلك المساء، أحبّها كما تُحب فكرة نادرة الوجود في عالم يفرض القوالب. لم يحاصرها بأسئلة عن ماضيها أو خلفيتها الاجتماعية، لم يطالبها بوعد يُقيّدها في إطاره الخاص، لم يقايض حبّه بانتماء لفكره أو لذاته. أراد فقط أن تكون كما هي، حرة.. كما قالت.

مرّت الأيام، وكان كل شيء فيها يشبه الضوء: ابتسامتها، حديثها، حتى صمتها حين تتأمل السقف وكأنها ترى فيه سماءً لا يراها سواه. أحبّ فيها ذلك الاتساع الذي يشبه الكتابة، ذلك الشرود الذي يبرر كل تناقض. كانت تمردًا يليق به، يمثل خروجًا عن المألوف الاجتماعي الذي طالما بحث عنه.

ثم.. انسحبت.

لا رسالة تفسر قرارها الوجودي. لا وداع يُغلق فصلاً من القصة. ولا حتى جملة تُغلق الباب بلطف لتُخفف صدمة الانقلاب.

غابت، كما يختفي ظلٌ حين تنطفئ الشمعة بفعل رياح التغيير الاجتماعي. ظلّ يبحث عنها في تفاصيلها، في صوتها، في نصوصها القديمة. وحين عثر عليها، لم يجدها.

وجد امرأة أخرى. تشبهها في الملامح، لكنها لا تحمل ذات الوهج الذي يعكس روحها الحرة. رآها تبتسم في صورةٍ وسط حشدٍ تقليدي، ترفع شعارًا دينيًا كقناع اجتماعي، وتكتب بثقة متصنعة:

"الهُوية التزام.. لا خيار."

جلس أمام الشاشة طويلاً. لم يتفاجأ. الخذلان، حين يأتي من قلبٍ آمنت به كمثل أعلى للحرية، لا يفاجئ.. بل يوجع بتحطيم فكرة لا شخص.

في تلك الليلة، كتب إليها – لا لينشر، ولا ليبعث – بل ليضع الكلمات في مكانها الصحيح لتوثيق خيبة الفكر الحر:

"لم أعاتبك لأنك تغيّرتِ. بل لأنكِ ادّعيتِ ما لم تكوني. لأنكِ استعملتِ الإنسانية جسراً.. لا وطنًا. لأنكِ تحدثتِ باسم الحب، ثم خرجتِ باسم الهوية. لم أطلب منكِ أكثر من صدقٍ لا يخاف، ووضوحٍ لا يختبئ. لكنكِ اخترتِ الصمت، لا الحرية."

طواها بين دفتي دفترٍ قديم، ثم أغلقه.

منذ ذلك اليوم، لم يتحدث عنها. لم يشتمها، ولم يُقدّسها. تركها في المنطقة الرمادية من القلب، تلك التي لا يدخلها الحب ولا يمرّ بها الحنين. لقد تجاوز فكرة وجودها في حياته.

لقد أحبّ امرأةً حرّة، واكتشف أنها ما زالت سجينة. لا لجسدها، ولا لعقلها.. بل لنظرة الآخرين عنها ولقوتها القاهرة في تشكيل السلوك.

وربما.. عن نفسها كذات تتأرجح بين الرغبة في التحرر والخوف من العواقب الاجتماعية.

وبعد عام..

اختارت المقهى ذاته.

ذلك الذي جلسا فيه أول مرة. الطاولة القريبة من النافذة، الكرسي الذي يطل على المدينة كمن ينتظر منها شيئًا لا يأتي من وعود الحرية الاجتماعية.

جلست كأنما هنالك موعد. كانت ترتجف قليلًا، ليس من البرد، بل من فكرة أن تراه بعينيه الآن، بعدما رآها طويلًا بعيني الخيبة الفكرية.

جاء.

بالمعطف ذاته، بخطوته الهادئة، بنظرته التي فقدت دفأها المعتاد، لكنها لم تصبح قاسية.

شاهدها بالمقهى فجلس بالكرسي المقابل دون أن يبتسم. نظرت إليه.. كما لو كانت تنظر لمرآة قديمة تكشف ملامحها بلا مجاملة اجتماعية.

قالت، بصوت أقرب للهمس: "لم أتوقع أن تأتي."

أجاب، دون أن ينظر مباشرة: "أنا لم آتِ لأسمع تفسيرًا. أنا هنا فقط لأتأكد.. أنكِ كنتِ حقيقية."

صمت. كانت تلك الجملة كافية لتهزها أكثر من أي عتاب تقليدي.

قالت، وهي تحاول أن تثبت عينيها في عينيه: "كنتُ خائفة. منك، من نفسي، من أن يراني مَن حولي كما أنا فعلًا. فاخترت القناع، وهربت."

ابتسم بسخرية خفيفة، وقال: "لكنكِ كنتِ تدّعين أنكِ لا ترتدين أقنعة."

أطرقت برأسها، ثم رفعت وجهها وقالت بهدوء موجع:
"كنتُ أقول ما أردتُ أن أكونه. وحين بدأتُ أقترب من تلك المرأة.. خفت. خفت من وحدتي، من حكم جماعتي، من أن أُنبَذ.. فخسرتك."

قال، كأنه يُكمل عنها: "وخسرتِ نفسك."

هزّت رأسها بنعم، بصمت. ثم أخرجت ورقة صغيرة ووضعتها أمامه.

قالت: "هذه رسالة.. لا لتعيدك إليّ، بل لتفهم فقط أنني لم أعبُر حياتك بخفة. وأن كل كلمة صدرت مني، حتى حين كنت متناقضة.. كانت حقيقية لحظتها."

لم يلمس الورقة. نظر إليها طويلًا، ثم قال:
"ما يؤلمني ليس أنكِ رحلتِ.. بل أنكِ رحلتِ من حيث وعدتِ ألا ترحلي."

قالت، بعينين دامعتين: "لم أعد أطلب شيئًا.. سوى أن تسامحني على أني لم أكن بقدر صدقك."

نهضت بهدوء. لم تترك خلفها عطرًا، ولا وعدًا. فقط الورقة.

أما هو، فبقي جالسًا. ينظر إليها وهي تمشي بعيدًا عن المقهى. ثم التقط الورقة، ووضعها في جيبه دون أن يفتحها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وفاة الفنان الكبير عبد العزيز مخيون


.. ازاى المخرج ومهندس الديكور ومدير التصوير بيقبضوا؟ المنتج الف




.. حوار مع المحلل الفني آسر حسين والصحفي والناقد الرياضي أحمد ج


.. الناقد الرياضي محمد عراقي: حسام حسن وجه رسائل مهمه لـ لاعيبة




.. سرديات أونلاين | ما بعد الرد الإيراني: صراع السرديات وتفكك ا