الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صعود المؤثرين: قادة الرأي في زمن الخوارزميات

حمدي سيد محمد محمود

2025 / 6 / 15
الصحافة والاعلام


د.حمدي سيد محمد محمود
في ظل التحولات العميقة التي شهدها المشهد الاتصالي المعاصر، أعادت مواقع التواصل الاجتماعي تشكيل ملامح السلطة الرمزية والمعرفية في المجتمع، فاتحةً الباب أمام فئة جديدة من الفاعلين عُرفوا بـ"المؤثرين الرقميين". هؤلاء لم يعودوا مجرد مستخدمين نشطين، بل أصبحوا بمثابة شخصيات عامة ذات حضور لافت وتأثير مباشر على الرأي العام والسلوك الاجتماعي. من خلال متابعات جماهيرية واسعة النطاق، وباستخدام أدوات مرئية وسردية جذابة، تمكن المؤثرون من احتلال مواقع متقدمة في تشكيل الذوق العام، توجيه الأنماط الاستهلاكية، وحتى التأثير على القناعات السياسية والاجتماعية، ما يثير سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كان هؤلاء المؤثرون هم فعلاً قادة الرأي الجدد في العصر الرقمي.

يُحيلنا هذا التساؤل إلى النظرية التقليدية لـ"قادة الرأي" كما طُورت في بحوث الاتصال الكلاسيكية مثل نموذج "تدفق الاتصال ذي الخطوتين" (Two-Step Flow of Communication) لبول لازارسفيلد وإيليهو كاتز، والذي افترض أن التأثير الإعلامي لا يتم بشكل مباشر من الوسيلة إلى الجمهور، بل عبر "قادة رأي" يتمتعون بمكانة اجتماعية ومعرفية معينة داخل دوائرهم. لكن في العصر الرقمي، باتت هذه الفرضية بحاجة إلى إعادة نظر، فالمؤثرون اليوم لا يستمدون سلطتهم الرمزية من مؤهلات علمية أو خبرة مهنية، بل من قدرتهم على إنتاج محتوى جذاب، مستمر، وسهل الانتشار. إنهم يصنعون ثقتهم لا من خلال المعرفة المتخصصة، بل من خلال الحضور اليومي، التفاعل المباشر، وبناء علاقات شخصية افتراضية مع متابعيهم، وهو ما يجعل تأثيرهم أكثر "عاطفية" و"شخصنة" من قادة الرأي التقليديين.

ورغم ذلك، فإن هذا الصعود السريع للمؤثرين لا يخلو من الإشكاليات. فغياب المساءلة المهنية، واندماج المحتوى الإعلاني بالمحتوى الشخصي، وغلبة الثقافة الاستهلاكية، كلها عوامل جعلت من بعض المؤثرين أدوات غير نقدية في أيدي الرأسمالية الرقمية، يكرسون أنماط تفكير استهلاكية وسطحية بدلًا من إثارة النقاش العام البنّاء أو توجيه الرأي العام نحو قضايا جوهرية. علاوة على ذلك، فإن سيطرة خوارزميات المنصات الرقمية على انتشار المحتوى تمنح الأفضلية ليس للقيمة المعرفية أو الأخلاقية، بل لما يثير الانفعال والجدل، مما يُضعف دور المؤثرين كوسطاء عقلانيين، ويجعلهم أقرب إلى "مديري انتباه" (attention managers) لا إلى قادة رأي بالمعنى التقليدي للكلمة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض المؤثرين الرقميين قد نجحوا في لعب أدوار حقيقية في التغيير المجتمعي، سواء في حملات التوعية الصحية، أو في الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان، أو في كشف الفساد أو الترويج لقيم بيئية وإنسانية. هؤلاء ينتمون إلى نمط جديد من قادة الرأي الذين لا يرتكزون على المؤسسات التقليدية كالأحزاب أو الجامعات أو الصحف، بل على الديناميكية الرقمية ومهارات التفاعل والتأثير والتأطير السردي. لقد أصبح "القائد الرقمي" الجديد هو من يتقن اللعبة الخوارزمية، ويستثمر في بناء "براند شخصي"، ويستطيع تحريك مشاعر الجمهور وتوجيههم من خلال خطاب متعدد الوسائط لا يخاطب العقول فقط، بل المشاعر والانتماءات والهويات.

في المحصلة، يمكن القول إن المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي هم بالفعل في طريقهم ليكونوا قادة الرأي الجدد، ولكن ليس على النحو الذي عرفناه سابقًا، بل وفق معايير جديدة تُعيد تعريف القيادة في ظل اقتصاد الانتباه وثقافة البصريات الرقمية. فهم ليسوا بالضرورة حَمَلة للمعرفة أو للحقيقة، بل وسطاء لتدفقات لا نهائية من المعلومات والانفعالات. وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف يمكن استثمار هذا التأثير الهائل في بناء رأي عام نقدي ومستنير، بدلًا من تركه رهينة لعالم من الإثارة اللحظية والتأثير الخوارزمي السطحي؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين تونس والعالم: أين تتجه بوصلة الطالب التونسي في زمن الذكا


.. ليبيا ما قبل التاريخ: رسومات صخرية تروي قصة بشرية مهدّدة بال




.. الرئيس الصيني يذكر ترامب بـ-فخ ثوسيديدس-.. لماذا؟


.. حداد في أوكرانيا بعد هجوم روسي مكثف أوقع 8 قتلى و45 جريحا




.. فرنسا: لترميم تراثها.. كنيسة سان-غيوم في ستراسبورغ تفتح أبوا