الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
استراتيجيا الإنهاك والإنهاء: عندما تتحول السياسة إلى فيلم
ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية
(Yasser Qtaishat)
2025 / 6 / 15
الارهاب, الحرب والسلام
في دراسة نشرتها عام 2005 حول التداعيات الإقليمية والدولية لاحتلال العراق عام 2003، خلصتُ إلى أن السياسة الأمريكية تجاه العراق لم تكن ارتجالية أو ظرفية، بل اتبعت سردية استراتيجية محكمة بثلاث مراحل واضحة: الاستنزاف، الإنهاك، ثم الإنهاء، وهي مراحل لا تقف عند حدود العراق، بل تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ"ميثولوجيا التفوّق الأمريكي"، حيث تتحول الجغرافيا إلى خشبة مسرح، والدول إلى شخصيات مؤقتة، وبطل السيناريو لا يتغير: "بطل السيما الأمريكي".
بدأت المرحلة الأولى، الاستنزاف، مع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، حربٌ بدا فيها أن الجميع يخسر، لكن الولايات المتحدة كانت الرابح الخفي، إذ أتاحت لها هذه الحرب استنزاف القدرات البشرية والعسكرية للطرفين، دون أن تُكلّفها جندياً واحداً. لقد دفعت بغداد وطهران ثمناً باهظاً مقابل "وهم السيادة"، بينما كانت واشنطن تؤسسُّ لعقود من التحكم في ميزان القوى الإقليمي.
ثم جاءت مرحلة الإنهاك، والتي تجلّت بوضوح في حرب الخليج الثانية (1990–1991)، عبر تحالف دولي ضم أكثر من ثلاثين دولة، شنّ حملة تدمير ممنهجة ضد البنية التحتية والقوة العسكرية العراقية، أعقب ذلك حصار اقتصادي خانق دام أكثر من عقد، حوّل العراق إلى دولة مرهقة ومقيدة، لكنها ما زالت تحمل بذور التحدي.
وهنا تتجلى إحدى ركائز العقيدة الأمريكية التي لم تُخفَ يومًا: "لا يمكن أن تواجه دولة لديها القدرة والأدوات على الردع والمواجهة"، بل إن واشنطن تحتكر الردع، وتمنحه فقط لمن تراه ذراعاً أمنية لها، وعلى رأسهم الكيان الصهيوني، الذي يُسمح له حصراً بامتلاك استراتيجيتي التفوّق والردع.
ثم جاءت لعبة 11 سبتمبر 2001، كبوابة رمزية للمرحلة الأخيرة: الإنهاء، فبعد أن أصبح العراق عسكرياً خارج العصر، يعتمد على تقنيات سوفيتية مهترئة، آن أوان دخول "بطل السيما الأمريكي" إلى المشهد الختامي، هذا البطل، الذي لطالما ظهر في نهاية الفيلم ليخلّص البشرية من "قوى الشر"، ظهر هذه المرة على هيئة جيش الغزو الأمريكي، محمولاً بشعارات الحرية والدمقرطة و"تحرير الشعب"!
لكن خلف هذا القناع الأخلاقي، كانت هناك ماكينة ضخمة لإنتاج الوهم: سقطت بغداد عام 2003، وسقط معها نظام صدام حسين، لكن ما لم يُقال وقتها، أن ما حدث كان أكبر عملية خداع استراتيجي في التاريخ المعاصر، وأكبر عملية "نصب واحتيال" في التاريخ، حيث أُسقطت دولة كاملة بذرائع مختلقة، أُنتجت في أستوديوهات "هوليود السياسية"، وصُرفت ضمن ميزانية كبرى للهيمنة، لا للعدالة.
وإذا كان ذلك "الفيلم" قد انتهى بتدمير العراق، فإن المشهد الراهن يوحي بأن السيناريو يُعاد إنتاجه، ولكن هذه المرة على مسرح مختلف، وبطل بديل مؤقت: الكيان الصهيوني، فالحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، كما يبدو، دخلت مرحلة الإنهاك بامتياز: اغتيالات غامضة، تفجيرات في منشآت نووية، هجمات سيبرانية، وشيطنة إعلامية مستمرة.
وكل هذا، يجري بينما يقف "بطل السيما الأمريكي" خلف الكواليس، يكتب السيناريو ويُخرج المشهد، لكنه لم يدخل بعد بدوره المحوري المعتاد في الإنهاء، ليس من الصعب ملاحظة أن ما يجري على الأرض يُعيد إنتاج منطق السيطرة ذاته، ولكن بأدوات أكثر حداثة، ووجوه أكثر محلية.
الهدف غير المعلن في الاستراتيجية الصهيو–أمريكية هو استنساخ نموذج العراق في إيران، فالأخيرة، منذ عقد ونيّف، تقف على قائمة "محور الشر" في أدبيات المحافظين الجدد، وتُصوَّر باعتبارها العقبة المركزية أمام "نظام العالم التوراتي اليميني الأمريكي"، الذي لا يحتمل وجود لاعب مستقل يمتلك قدرات تقنية أو عسكرية أو حتى سردية مقاومة!
لكن السؤال الفلسفي الأعمق لا يتعلق بإيران وحدها، بل بالعالم بأسره: هل ستنجح أمريكا في تكرار السيناريو ذاته، أم أن هذا الفيلم سينتهي بنهاية غير متوقعة؟
وهل يمكن لـ"بطل السيما" أن يفرض نهاية جاهزة على عالمٍ أصبح أكثر وعياً بالمونتاج السياسي، وأكثر شكّاً في حبكات الأفلام الأمريكية التي تبدأ بالحرية وتنتهي بالخراب؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. محاولة اغتيال فاشلة لقائد الفرقة الثانية في ألوية العمالقة ف
.. متظاهرون في فرنسا للجزيرة: نرفض مشروع قانون يخلط بين انتقاد
.. حماس تستنكر تصاعد وتيرة الخروقات الإسرائيلية لاتفاق غزة
.. خارج الصندوق | كهرباء عدن تعود للعمل.. دعم سعودي ضخم لـ 70 م
.. خارج الصندوق | الوالي: العمالقة أبناؤنا ولن ينجح مخطط الفتنة