الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سذاجة النخبة المثقفة‏

ميشيل نجيب
كاتب نقدى

(Michael Nagib)

2025 / 6 / 17
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


المثقف فى جانب والعامة من الشعب فى جانب اخر نحن لدينا أشباه المثقفين لأن العرب كما قال عبدالله البليهى:[ دعاة دين وليسوا ‏دعاة حضارة]، لديهم طابع الفوقية على بقية البشر والمجتمعات ويرون أنفسهم معلمين وليسوا متعلمين لأعتقادهم انهم يملكون كل ‏وسائل العلم والحضارة فى الدين وكتابه، والنتيجة أن جميع النخب الثقافية تتماهى مع صفاتها الدينية بحيث ترى الكثير من الجرائم ‏والمشاكل التى ينتج عنها الظلم ونقص العدالة فى المجتمع ولا يوجد من بينهم من لديه الشجاعة للتنديد بالظلم وبالشر، لأن يعرفون ‏جيداً إلى أى درجة وصل مرضى الأديان والتطرف والإرهاب والعلاقات السياسية الدينية العلنية، ورغم ذلك كما يقول المثل المصرى أبعد ‏عن الشر وغنيله!! الكل يخاف من أنتقاد هؤلاء المسيطرين على عقول المجتمع بأسم الدين ويفضل المفكر والمثقف تناول موضوعات ‏فى الفلسفة والتيارات السياسية والحزبية ليكون فى أمان من أجهزة الدول الأمنية وأجهزة الإرهاب الدينية التى تكفر وتذبح من تريد ‏ودكتور فرج فودة فى مصر خير دليل على تجذر سلطة الكراهية التكفيرية لرجال الدين وأن الدين جعلته الأنظمة أفيوناً بالقوة لتخريب ‏المجتمع المصرى ونجحوا فى ذلك، ومجتمع تسوده الكراهية هو مجتمع غير إنسانى أمنيته الوحيدة هى القضاء على الآخر الذى لا يؤمن ‏بديانته التى تشجع عليها الدولة والمؤسسات الدينية والناس أنفسهم.‏

الكل صامت وأولهم رجل الدين الذى جعله وظيفة يتكسب منها ويقوم بالسمع والطاعة لولى الامر ويتجاهل أنتشار الظلم فى المجتمع ‏الذى أعتاد عليه المواطن حتى تشربت سلوكياته وأفكاره بظلم الآخرين، لكن أولاد مصر الذين يتصفون بالشجاعة يخرجون وقت الحاجة ‏لسد الفجوة النقدية التنويرية وخير مثال هو تحدى المفكر الحقيقى الدكتور سيد القمنى الذى وقف فى وجوه الجميع وحاربهم بقوة الكلمة ‏وصدقها وحبه الكبير لوطنه العظيم مصر، وكشف الكثير من التعاليم التى ينادى بها الكثير من الدعاة على أنها من الدين لكنها فى ‏الحقيقة لا علاقة لها بالدين الصحيح.‏

أبتكر المثقفين لغة جديدة بدلاً من النقد للدين والحديث عن التغيير والنهضة والتنوير وترك الماضى والنظر إلى الحاضر، أختصروا كل ‏ذلك وغيره بكلمة: التبرير، نعم أشباه المثقفين يكررون الكلام باطلاً بمعنى أنهم يعتقدون بفكرة أو أيديولوجية معينة دينية أو سياسية ‏ويوهمون القارئ أنهم يتحدثون عن التنوير فى الوقت الذى يبررون فيه أفعال الفساد الأخلاقية والجريمة بأسماء أخرى ويتجاهلون ‏المنابع الأصلية التى يخرج منها دمار عقول المواطنين وأستمرار أستخدام العقائد التى ترفض العلم لإحياء الماضى والسير على نهج ‏الجماعات والمؤسسات الدينية التى يتم تمويلها بالملايين لجذب اكبر عدد ممكن من المثقفين القادرين على خداع الناس مثلهم، وبذلك ‏أبعدوا كل من له علاقة بالتنوير وأخرجوهم من المؤسسات وأجلسوا مكانهم القيم الدينية التى يفترضون أنها أعلى وأسمى القيم والعلوم ‏على الأطلاق لأنها من الله.‏

إن المثقف ينتهك قيمه ومبادئه بأيديه ويصارع فى إسكات صوت ضميره الإنسانى ليقوم بإخضاع أفكاره وفقاً لمقياس أنحطاط القطيع، ‏ولكى يخرجوا من فخ التنوير صاغوا الكثير من الشعارات الوهمية التى يخدعون بها العامة ويتملصون من الحقيقة قاموا بالأدعاء بأن ‏العرب لهم وضع خاص بين الشعوب حسب ثقافاته وأديانه وحضارته وبذلك ليس له الحق فى أستخدام مصطلحات التنوير والعلمانية التى ‏لا تصلح لبلاد العرب الذين يملكون من علوم أكثر من بقية العالمين.‏

إن تخلى المثقفين والمفكرين عن ثقافة وحضارة مصر الأصيلة وأستبدالها بالنصوص الدينية هو أكبر خيانة يقوم بها مثقفى عصرنا ‏الحالى، لأن نتائجها ستشمل جميع العرب، فالخضوع والأستسلام لأفكار المتخلفين الذين يعيشون فى عوالم أسطورية أخرى لا علاقة لها ‏بالواقع الإنسانى، تتزايد معه أجيال جديدة من المتخلفين الذين تم تصنيعهم بأجهزة الذكاء الصناعى، وبذلك يا لها من سعادة يشعر بها ‏العربى الذى يرفع يديه يومياً إلى آلهته ليشكره على نعمته التى أبتكرها له الكفار وخير علمائهم.‏
إن قصور المثقفين عن إدراك الجريمة التى يرتكبونها يومياً بتجاهل هموم شعوبهم والإهتمام بما يحلو لهم من موضوعات يعتقدون أنها ‏هى التى ستنقذ مجتمع جاهلى، فالفلسفة الأوربية أستطاعت فعل الكثير للتنوير ونهضة العقلية العلمية فى العصور الوسطى رغم هيمنة ‏الكنيسة ورجالها، لكن فى مجتمعاتنا فالعربى يرفض الفلسفة منذ ابن رشد والفارابى والرازى وابن الهيثم وغيرهم وتم تكفيرهم، لذلك ‏مجتمعنا وشخصية العربى اليوم هى شخصية متخلفة بالمعنى الحقيقى للكلمة لأنه يعيش على قشور معارف دينية يقنعهم كهنة الدين ‏بأنها أصل المعارف والعلوم ويرفضون كل ما عداها من علوم وأبتكرات إنسانية ويتهمون أصحابها الغربيين بالكفر، إن النرجسية العربية ‏سواء بين العامة أو النخبة تتساوى عند الحديث عن الأنبياء والرسل وترفض أى اقتراب من تلك الحدود الحمراء التى صنعها الجميع ‏بأفكارهم الغيبية الساذجة التى صدقوها ويموتون من أجل الدفاع عنها، وكأن الله هو إلههم الوحيد وبقية البشر كفرة اى نفس الفكرة ‏الهزيلة لليهود شعبه المختار!!‏

إن مرضى الأحتقار الدينى للآخر الذى لا يعتقد نفس عقائده تكشفها مشاعر الكراهية والعنصرية البغيضة وتكشفها مشاعر نقص الحب ‏والرفض الكامل بقسوة وكيف يداس على مشاعر الآخر ومعتقداته من الذى يملك السلطة وله الأغلبية الحاكمة فى السياسة والمجتمع ‏والدين، لذلك أنتشرت عدوى مرض الأحتقار وثقافة القطيع إلى النخبة فى المجتمع مما أدى إلى أنتشار القيود والضغوط والممارسات ‏القمعية التى لا تحترم حرية المثقف وآراءه، إنها مجتمعات تخلت عنها الإنسانية لتعيش مع ميراثها الماضى تحت حماية الإله الغائب ‏الحاضر والمقدس دائماً.‏

النخبة الدينية والثقافية الفلسفية المتفلسفة بالرأسمالية والماركسية واليسارية واليمينية والشيوعية وغيرهم كثُر يقومون يومياً بتخريب ‏عقول العرب وتجهيلهم بتعليمهم تاريخهم الدموى المزور منذ الخلافة ومروراً بالخلافة الأموية والعباسية وأتباعهم حتى الآن، بل يقدم ‏هؤلاء النخبويين دعم كامل للدينيين بتأكيد ما يزرعونه فى مناهج التربية الدينية وغير من قصص البطولات وقصص عن أشخاص ‏وهميين تم إدخالهم عن طريق الأسرائيليات وأصبحوا مشاهير، ومن النخبة من يتجاهل حاجة المجتمع إلى التغيير ونقد السلبيات ‏والأمراض المجتمعية وأصبحت الغالبية تعيش فى الظل تعانى الأنعزالية وأنتهازية الطبقة المثقفة التى تعيش فى عالمها الحالم الجميل. ‏

إن المثقفين والمفكرين يعتقدون أنهم عندما يتباهون بتراث أجدادهم الماضى يقدمون خدمات لا تحصى لمستقبل أجيالهم، لكنهم يخطئون ‏فى ذلك لأن تجميل الماضى وتزويره بصور الأبطال الدينيين وحشو عقول الأطفال والتلاميذ فى المدارس بتلك المناهج الساذجة لن ‏يجنون من وراءه مكاناً فى عالم مستقبل الحداثة، لأن التأخر الثقافى ما زال مستمراً والجميع يعتقد فى الإعجاز الإلهى الذى ينقذ ويخلص ‏العرب وبقية دولهم المتخلفة، لكنهم يخطئون كثيراً بتجاهلهم أن الأفكار الدينية هى مفتاح التخلف وهى أيضاً مفتاح الحل وعليهم أن ‏يختاروا أى طريق يقودهم إلى مسقبل وسط بقية دول العالم المتحضر.‏








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي