الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
نحو قراءة استراتيجية للحظة الشرق الأوسط: جدلية الانفجار الجيوسياسي والتفكك الأخلاقي في النظام الدولي
خالد خليل
2025 / 6 / 19مواضيع وابحاث سياسية
في اللحظة الراهنة، لا يكفي أن نستنكر الحروب أو أن نرصد أرقام الضحايا؛ ثمة حاجة إلى تجاوز المرويات الخطية المعتادة، والانخراط في قراءة عميقة لبنية الأحداث التي تتشكّل من داخلها صورة جديدة للعالم. ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد تصعيد عسكري بين قوة نووية إقليمية وقوة نووية محتملة، ولا مجرد مجزرة في قطاع محاصر، بل هو منعطف تاريخي حاد، يتكثف فيه فشل النظام الدولي، وانكشاف تناقضاته، وانزلاقه العلني نحو قانون الغلبة.
أولًا: الشرق الأوسط في هندسة الاضطراب الدولي
لم يعد الشرق الأوسط هامشًا للعبة الأمم، بل تحول إلى مختبر علني لإعادة ضبط التوازنات بين القوة والنفوذ والمعنى. ما يجري في المنطقة ليس وليد مواجهة بين دول، بل تفاعل معقّد بين أنظمة أمنية تتآكل، ورهانات قومية متضخمة، وتحالفات خارجية تعيد صياغة قواعد الصراع بما يتجاوز حتى مصالح شعوبها.
ليس سلاح إيران هو المشكلة، ولا ترسانات إسرائيل هي الحل. إن البنية العميقة للأزمة تكمن في غياب مشروع عادل يعيد الحياة في الإقليم، واحتكار رواية “التهديد” من طرف واحد، وتغييب الصوت العربي عن المعادلة، إما بفعل الوهن أو بفعل التواطؤ.
ثانيًا: موت الضمير العالمي وتفكك المشترك الإنساني
إذا كانت الحروب تقيسها الدول بالقوة التدميرية والدقة التقنية، فإن الشعوب تقيسها بعمق الجرح وامتداد اليُتم. لكن ما يحدث اليوم يذهب أبعد من ذلك. العالم لا يكتفي بالصمت، بل يمارس تصنيفًا للمآسي وفقًا للهوية الدينية، والعرق، والتحالفات. ثمة دماء لها أصداء في الإعلام، ودماء لا يتجاوز صداها جدران المنازل المحترقة.
إن أخطر ما يحدث ليس فقط قتل الإنسان، بل قتل فكرة “الإنسان”. تحويل المأساة إلى مجرد “خسائر جانبية” هو تبرير لنظام ما بعد-أخلاقي، يعيش فيه الغرب قطيعة تامة مع المبادئ التي روّج لها منذ قرون، حيث سقطت مفاهيم مثل “الكرامة” و”حقوق الإنسان” في فخ البراغماتية العارية.
ثالثًا: المأساة المزدوجة لغزة والفراغ الاستراتيجي
غزة ليست جغرافيا صغيرة تئن تحت الحصار فحسب، بل صرخة دائمة في وجه عالم يتقن لغة الأرقام ويتجاهل لغة الأوجاع. لكن الأسوأ من كل ذلك أن غزة باتت أيضًا مرآة تعكس الغياب العربي الإسلامي المريع؛ أنظمة تملك الجيوش ولا تملك القرار، تملك الموارد ولا تملك الإرادة، تُتقن لغة الإدانة ولا تعرف لغة الردع.
هذا الفراغ الاستراتيجي هو الذي يسمح بتحوّل المذابح إلى روتين دولي، وبتكرار الإبادة تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، دون أن يُطرح سؤال: من يعرّف الإرهاب؟ ومن يمنحه مشروعية الإبادة الجماعية؟
رابعًا: إيران خارج الصورة النمطية
إن اختزال إيران في بعدها النووي هو جزء من هندسة التشويه الاستراتيجي. إيران ليست مجرد طموح عسكري، بل تعبير عن مشروع ثقافي وهوياتي وسياسي يجد امتداده في عمق العالم الإسلامي. ليس دفاعًا عن سياساتها بالضرورة، ولكن تحذيرًا من الغفلة التحليلية: من يعادي إيران فقط لأنها تتحدى المعايير المزدوجة، سيكتشف أن العدو التالي قد يكون دولة أخرى، وربما مجرّد جماعة تؤمن بكرامتها.
المسألة هنا لا تتعلق بقبول أو رفض إيران ككيان سياسي، بل في كشف الآلية التي يتم فيها شيطنة الآخر وتحويله إلى مادة قابلة للضرب، لأن “شيطنته” مهّدت الأرضية لتبرير العدوان عليه.
خامسًا: مشروع التفكيك والتمزيق: نهاية الجغرافيا وبداية الخرائط الوظيفية
ثمة مؤشرات متراكمة تدلّ على أننا دخلنا مرحلة “إعادة نحت الشرق الأوسط” لا بالحبر، بل بالدم. هناك تصور يُدار في كواليس مراكز القرار الكبرى مفاده أن الحدود القديمة التي رسمها الاستعمار البريطاني والفرنسي باتت عاجزة عن أداء وظائفها الجيوسياسية، وأن الوقت قد حان لإعادة تفتيت المفتت، وفق خرائط طائفية، عرقية، وأمنية.
لم تعد المسألة تتعلق بتغيير نظام هنا أو هناك، بل بخلق كيانات وظيفية تلعب أدوارًا محددة ضمن شبكة الهيمنة الدولية، وتخضع للمراقبة المباشرة سياسيًا واقتصاديًا ومعلوماتيًا. وفي هذا السياق، تصبح كل حرب، سواء في غزة أو طهران أو بغداد أو صنعاء، مجرد “حجر” في بناء نظام إقليمي جديد لا مكان فيه لسيادة حقيقية أو قرار مستقل.
خاتمة: ما العمل؟
ليس المطلوب اليوم أن نحزن أكثر، أو أن نستنكر بقوة أكبر، بل أن نفكّر. أن نعود إلى تأسيس خطاب استراتيجي عربي إسلامي لا يكتفي بالشكوى، بل يقترح تصورات واقعية ومتماسكة للرد، والمواجهة، والبناء. يجب أن يُستعاد العقل العربي والإسلامي من أسر الانفعال إلى منطق الفعل. وأن نعيد تعريف أمننا القومي، وهويتنا، ورسالتنا في العالم.
في هذا الزمن الذي تُمزق فيه الشعوب، وتُشوّه فيه الجغرافيا، وتُختطف فيه القيم، لا بد من عقل مقاوم، لا عقل شكّاء، ومن رؤية مؤسسة، لا مجرد ردود فعل.
فحين ينهار الضمير الدولي، لا يبقى إلا أن نحمي ضميرنا.
وحين تتفكك الجغرافيا، لا بد أن نعيد ترسيمها داخل وعينا أولًا.
وحين تُفرض علينا الهزيمة كواقع، لا بد أن نُبقي النصر ممكنًا كفكرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. التجنيد عبر الدعاية… ابتكار أوكراني في زمن الحرب
.. سباق اللحظات الأخيرة داخل البرلمان… ميزانية الضمان الاجتماعي
.. قوات الدعم السريع تسيطر على حقل نفطي حيوي قرب حدود جنوب السو
.. عام على وصول الشرع إلى السلطة.. سوريا بين الإنجازات والإخفاق
.. اجتماع أوروبي طارئ يبحث مستقبل الدعم لأوكرانيا