الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ثورة الكوميرة: حين صرخ الفقراء فدوّى الرصاص
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2025 / 6 / 20
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
في المغرب، حين يُذكر يوم 20 يونيو، تنبعث من الذاكرة رائحة البارود ممزوجة برغيفٍ يابس، ويسري في العروق وجعٌ قديم اسمه "ثورة الكوميرة". لم تكن مجرد مظاهرات عابرة، ولا مجرد غضبٍ عفوي سرعان ما خمد، بل كانت لحظة انفجار مكبوت، تمخّضت عنه سنوات من القهر والإهمال، وتجسدت فيه معاناة شعبٍ كان يُطلب منه أن يعضّ على الجوع بالنواجذ، بينما تُدار البلاد بعقلية أمنية لا تعرف من السياسة سوى العصا.
أوائل الثمانينيات كانت فترة قاتمة في تاريخ المغرب المعاصر. البلاد كانت ترزح تحت ثقل أزمة اقتصادية خانقة، تفاقمت بفعل سنوات الجفاف المتتالية، وارتباط الاقتصاد المغربي بتقلبات السوق الدولية، وخضوعه لشروط صندوق النقد الدولي، الذي كان يفرض سياسات تقشفية صارمة مقابل قروض تثقل كاهل الدولة والشعب معًا. كانت تلك السياسات تشترط تقليص النفقات العمومية، وتحرير الأسعار، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، في وقتٍ لم يكن فيه المواطن المغربي يملك شيئًا يدافع به عن نفسه سوى جسده وصوته.
لم يكن خبز الكوميرة في تلك اللحظة مجرد طعامٍ بائس، بل صار رمزًا للبقاء، وامتلاكه أو فقدانه صار مسألة كرامة. حين أعلنت الحكومة عن زيادات في أسعار المواد الأساسية، لم تكن تلك مجرد إجراءات تقنية ضمن ما يسمى "الإصلاحات الهيكلية"، بل كانت صفعة مباشرة للفئات الكادحة، خاصة في الأحياء الشعبية للمدن الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء، المدينة التي احتضنت صرخة الغضب الأكبر. هناك، حيث يسكن المياومون، وعمال المعامل، وأسر تعيش بالكاد على الفتات، تحوّلت الأزمة إلى شرارة، والشرارة إلى لهبٍ اجتاح الشوارع.
انطلقت الدعوة إلى الإضراب العام يوم 20 يونيو 1981، واستجابت لها شرائح واسعة من الشعب المغربي، بدفع وتحريض من بعض القوى النقابية والسياسية التي رأت في هذه اللحظة فرصة للتعبير عن الاحتقان الاجتماعي العارم. غير أن ما حدث بعد ذلك تجاوز حدود التوقع. لم يكن النظام مستعدًا للاستماع أو التفاوض، بل كانت ردة فعله سريعة، صارمة، وقاسية بشكل فج. أُعطيت التعليمات لإخماد الاحتجاجات بأي ثمن، وتم الزج بالجيش في شوارع الدار البيضاء، في سابقةٍ لا يمكن فهمها خارج سياق الخوف من اهتزاز هيبة الدولة. فجأة، تحولت المدينة إلى ساحة حرب غير متكافئة، طرفٌ فيها يصرخ "بغينا نعيشو"، وطرفٌ آخر يرد بالدبابات والمروحيات والرصاص.
مئات القتلى، معظمهم من الشباب، دُفنوا ليلًا دون إعلام أهاليهم، ودون فتح تحقيقات أو محاسبة للمسؤولين. آلاف المعتقلين تم تقديمهم لمحاكمات صورية، صدرت في حقهم أحكام قاسية، فقط لأنهم نزلوا إلى الشارع وطالبوا بلقمة نظيفة وكرامة مستحقة. الإعلام الرسمي صوّرهم كـ"مخربين" و"عملاء"، واستخدم النظام لغة التخوين لتشويه مطالبهم، في حين كانت الحقيقة أوضح من الشمس: لم يخرجوا إلا لأنهم جاعوا، ولأن الصبر حين يتجاوز حدّه يتحول إلى بركان.
من منظور تاريخي، لا يمكن فهم "ثورة الكوميرة" بمعزل عن السياق الأوسع لما يُعرف في المغرب بـ"سنوات الرصاص". فالنظام في تلك المرحلة لم يكن يرى في المعارضة سوى تهديدٍ لوجوده، وكان يعتبر أي احتجاجٍ هو بوابة للفوضى. وكانت الدولة تدار بمنطق القبضة الأمنية، حيث لا مجال للاعتراف بالفشل الاقتصادي أو تحميل المسؤولية لأي جهة من داخل النظام. بدل ذلك، تم تصوير الأزمة وكأنها نتيجة "مؤامرة" تحركها قوى أجنبية عبر وكلاء محليين، وهو خطابٌ كلاسيكي لطالما لجأت إليه الأنظمة الاستبدادية حين تُفلس سياساتها.
لكن ما لا يُقال كثيرًا هو أن "ثورة الكوميرة" كانت لحظة وعي جمعي. ورغم القمع، فإنها شكّلت علامة فارقة في تاريخ الاحتجاج الاجتماعي بالمغرب. كشفت أن للطبقات الشعبية صوتًا حين يُجبر على الكلام، وأن كلفة إسكات الفقراء أكبر بكثير من كلفة الاستماع إليهم. كما أنها عرّت ضعف الدولة في تدبير الأزمات الاجتماعية، وأثبتت أن التنمية لا يمكن أن تُبنى على حساب كرامة الإنسان، وأن فرض "الإصلاحات" من فوق لا بد أن يُواجه في لحظة ما بالغضب من الأسفل.
واليوم، وبعد أكثر من أربعين سنة، يبدو المشهد وكأنه يعيد إنتاج نفسه في صورٍ جديدة. أسعار المواد الأساسية ما تزال ترتفع بصمت، والدعم الاجتماعي يتحوّل تدريجيا إلى شعارات، والهوة بين الأغنياء والفقراء تتسع، بينما تُجمّل التقارير الرسمية الأرقام لتخفي الواقع البائس. الفارق الوحيد أن الشارع صار أكثر خوفًا، وأن القمع اتخذ أشكالًا أكثر نعومة، من التجريم القانوني إلى الضغط الاقتصادي والرقابة الإعلامية.
ومع ذلك، فإن "ثورة الكوميرة" لم تنته. لا تزال تسكن ذاكرة المغاربة كجرحٍ مفتوح، كدرسٍ قاسٍ، وكحكاية عن زمنٍ وقف فيه الشعب يصرخ مطالبًا برغيفٍ وكرامة، فقوبل بالرصاص. التاريخ لا يُمحى، والخبز حين يغيب لا يُعوّضه الكلام.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف يستغل الحزب الشيوعي الصيني ضعف روسيا لاستعادة أراضيه الت
.. بورنهام يخلف ستارمر في زعامة حزب العمال.. ما أسباب التوافق ع
.. آندي بورنهام: من -ملك الشمال- إلى زعامة حزب العمال البريطاني
.. تراجع اليسار وصعود اليمين يعيدان رسم الخريطة الجيوسياسية لأم
.. تعقيب الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله حول مداخلات ا