الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التشهير الرقمي: حين تُصبح الكلمة أداة قتل باردة

إياد هديش

2025 / 6 / 21
الصحافة والاعلام


في عصرٍ تحكمه سرعة المعلومة، لم تعد السمعة تُهدد بالهمس، بل تُغتال بلمسة إصبع. فمنشور واحد على منصات التواصل الاجتماعي، حتى لو كان كاذبًا أو مجتزأ، قد يتحول إلى عاصفة تهدم حياة شخص بأكملها. التشهير الإلكتروني، تلك الظاهرة التي باتت تؤرق المجتمعات وتفتك بالفرد، تجاوزت كونها سلوكًا عدوانيًا عابرًا، لتصبح سلاحًا رقميًا خطيرًا يحمل تبعات مدمرة، نفسيًا، اجتماعيًا، واقتصاديًا.


ضحايا خلف الشاشة.. وألم لا يُمحى

لم يعد التشهير مجرّد كلمات تُكتب وتُنسى، بل تحوّل إلى جريمة مكتملة الأركان. فحين تُشوَّه سمعة إنسان أمام الملأ، يفقد هذا الأخير فرص العمل، وتنهار علاقاته الاجتماعية، ويُجبر أحيانًا على الانسحاب من الحياة العامة. في مجتمعات كاليمن، حيث السمعة الشخصية تشكّل قيمة جوهرية، تكون الضربة أقسى، والنتائج أشد فتكًا.


ضريبة نفسية قاسية.. ألم لا يُرى بالعين

ضحايا التشهير الرقمي يعيشون معاناة نفسية حقيقية. القلق المستمر، الاكتئاب، الانسحاب الاجتماعي، الشعور بالخزي والعار حتى في غياب الخطأ، جميعها ظواهر متكررة. قد يعاني الضحية من اضطرابات النوم والأكل، وقد تطارده الهواجس، ويخشى كل تفاعل، وكل تعليق، بل وكل نظرة.

وفي حالات شديدة، يُصاب البعض باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، نتيجة لحملات تشهير عنيفة وممتدة. وللأسف، كثير من الضحايا يُجبرون على مواجهة هذه الأزمة بمفردهم، دون دعم كافٍ، أو حتى تصديق من المحيطين.


الأسرة.. ضحية إضافية للتشهير

لا تتوقف تداعيات التشهير عند الضحية وحدها، بل تمتد لتطال أسرته، التي تجد نفسها فجأة وسط أزمة لا ناقة لها فيها ولا جمل. في كثير من الحالات، يتحول أفراد الأسرة إلى شركاء في المعاناة، ويعيشون حالة من الضغط الاجتماعي والنفسي، بسبب نظرات الناس أو تساؤلات المحيطين أو حتى توجيه اللوم إليهم وكأنهم مسؤولون عمّا حدث.

في السياق المحافظ، قد تنقلب الأسرة من داعم إلى ضاغط، خصوصًا عندما تشعر بأن سمعتها مهددة. بعض العائلات، بدافع الخوف من العار المجتمعي، قد تختار تقييد الضحية، لومها، أو دفعها إلى الصمت بدلًا من حمايتها، مما يزيد من شعورها بالعجز والوحدة. أما في الحالات الأكثر تطرفًا، فقد تصل التداعيات إلى القطيعة الأسرية أو العنف، إذا اعتُبر أن ما حدث "أساء" إلى اسم العائلة أو مكانتها الاجتماعية.


المعتدي.. قناع مجهول يخفي دوافع مظلمة

ما الذي يدفع شخصًا ما لتشويه سمعة آخر على الملأ؟ تشير التحليلات النفسية إلى أن بعض المعتدين يسعون خلف الشعور بالقوة، أو الانتقام، أو حتى جذب الانتباه. المنصات الرقمية، بما تتيحه من غطاء مجهولية، تُغري هؤلاء بارتكاب ما لا يجرؤون عليه في الواقع.

قد تكون دوافع المعتدي شخصية، ناتجة عن حقد أو غيرة أو تصفية حسابات، وقد تكون مرضية، حيث يعاني من اضطرابات نفسية تدفعه إلى التلذذ بإلحاق الضرر بالآخرين. في كل الحالات، يبقى التشهير فعلًا جبانًا يُرتكب من خلف شاشة، لكنه يُسقط ضحاياه في العراء.


المرأة اليمنية.. الهدف الأسهل في مجتمع قاسٍ

في اليمن، تدفع النساء ثمنًا مضاعفًا في حال تعرضهن للتشهير الرقمي. فالمجتمع لا يرحم، وعقلية "وصمة العار" تُطبق قبضتها على الضحية، حتى لو ثبت كذب الاتهامات. قد تُحرم المرأة من الزواج، العمل، أو حتى من أبسط حقوقها في الخروج والدراسة.

الأخطر أن الأسرة قد تتخلى عن المرأة بدلًا من حمايتها، وتُمارس عليها ضغوطًا نفسية شديدة للسكوت "درءًا للفضيحة". في مجتمع يرى في سلوك المرأة شرف العائلة بأكملها، لا يُنظر إلى الضحية كضحية، بل كـ"عبء" يجب التخلص منه.


الحرية مسؤولية.. وليست تنمر

لا أحد ينكر أهمية حرية التعبير، ولكن حين تتحوّل هذه الحرية إلى منصة للتنمر، القذف، والتشهير، فإنها تخرج من حدود الحق، وتدخل في دائرة الانتهاك والاعتداء.

لا يمكن تبرير تدمير حياة إنسان بدعوى "الرأي"، ولا يحق لأي فرد أن يتحوّل إلى قاضٍ وجلاد على فيسبوك أو تويتر.


كيف نواجه التشهير الرقمي؟

1. التوعية أولًا: تبدأ الحماية من الوعي. يجب نشر ثقافة احترام الخصوصية، والتحقق من المعلومات قبل النشر أو المشاركة، والتفكير في عواقب كل كلمة مكتوبة.

2. تشريعات واضحة وقوية: تحتاج المجتمعات إلى قوانين صارمة تُجرّم التشهير الرقمي وتوفر آليات سريعة وفعالة لملاحقة المعتدين.

3. دور المنصات: تتحمل الشركات المالكة لمواقع التواصل مسؤولية ضبط المحتوى، والتفاعل الجدي مع بلاغات الإساءة، وتطوير أدوات الإبلاغ والحماية.

4. دعم الضحايا: تقديم الدعم النفسي، القانوني، والاجتماعي لضحايا التشهير، وخلق مساحات آمنة لهم لاستعادة حياتهم وكرامتهم.


نحو بيئة رقمية أكثر إنسانية

مكافحة التشهير الرقمي مسؤولية جماعية. تبدأ من الفرد الذي يرفض نشر الشائعات، وتصل إلى الدولة التي تشرّع وتحاسب، وتمرّ عبر الأسرة والمدرسة والمنصات الرقمية.

فلنحارب هذه الظاهرة قبل أن تُصبح واقعًا دائمًا. لنحفظ كرامة الإنسان في الفضاء الرقمي، كما نحفظها في الواقع. لأن الكلمة قد تقتل، وقد تُنقذ، فلنختر ما نكتب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما أهمية محطة براكة النووية لأمن الإمارات؟| نيوز زووم


.. نقاش الساعة - هل أصبح العمل العسكري خيار الرئيس ترمب مهما كا




.. نقاش الساعة - إلى أي حد تبتعد المنطقة عن خطر المواجهة من جدي


.. مع تصاعد الأصوات التي ترجح المواجهة بين واشنطن وطهران.. كيف




.. نقاش الساعة - هل تعكس تصريحات الرئيس الإيراني استعدادًا إيرا