الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأخلاق بين كانت وماركس: صراع المبادئ والمادة

داود السلمان

2025 / 6 / 21
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


في تاريخ الفكر الفلسفي، تُعد مسألة الأخلاق من أكثر القضايا إثارة للجدل، لأنها تمس الإنسان في جوهره، وتحكم سلوكه، وتوجه علاقاته مع الآخرين. وإذا كان الفلاسفة قد انقسموا في فهمهم لماهية الأخلاق ومصدرها، فإن اثنين من أعظم مفكري الحداثة، إيمانويل كانت وكارل ماركس، قدّما رؤيتين متناقضتين تقريبًا حول هذه القضية. الأولى ترى أن الأخلاق قائمة على العقل والواجب المجرّد، بينما الثانية تنطلق من الواقع المادي والعلاقات الاجتماعية لتفهم الأخلاق كتعبير عن البنية الاقتصادية للمجتمع.
في هذا المقال، سنستعرض باختصار النسق الأخلاقي عند كل من كانت وماركس، ثم نعرض نقاط التباين الأساسية بينهما، وصولًا إلى تقييم فلسفي لموقع كل منهما في تاريخ الفكر الأخلاقي.
أولًا: إيمانويل كانت والأخلاق من منظور الواجب العقلي
كانت (1724–1804) يعتبر أن الأخلاق لا تُبنى على نتائج الأفعال أو منفعتها، بل على النية وعلى احترام الواجب. في قلب فلسفته الأخلاقية يوجد مفهومه الشهير: "الأمر المطلق"، وهو مبدأ عقلي يفترض أن على الإنسان أن يتصرف وفق قاعدة يمكن تعميمها على الجميع. أي أنك، قبل أن تقوم بفعلٍ ما، يجب أن تسأل نفسك: "ماذا لو قام كل الناس بهذا الفعل؟".
بالنسبة لكانت، الإنسان كائن عاقل، ويجب أن يُعامل دائمًا كغاية، لا كوسيلة. هذا المبدأ يُعد من أرفع ما وصلت إليه الفلسفة الأخلاقية، لأنه يعطي الإنسان قيمة مطلقة، ويؤسس للأخلاق على أساس الحرية والكرامة، لا على العادات أو المنافع. الأخلاق عنده لا تعتمد على الدين أو السلطة أو العُرف، بل على العقل الخالص وحده.
لكنه يُحمّل الإنسان مسؤولية كبيرة، إذ يفترض أن كل فرد قادر على استخدام عقله ليُميّز بين الخير والشر، دون الحاجة إلى مرجعية خارجية. وعليه، فإن الأخلاق الكانتية هي أخلاق فردية مثالية، ترتكز على قوة الإرادة واحترام القانون الأخلاقي الذاتي.
ثانيًا: كارل ماركس والأخلاق من منظور المادية التاريخية
أما ماركس (1818–1883)، فقد قدّم منظورًا ماديًا بالكامل. هو لم يؤسس "نظرية أخلاقية" بالمعنى التقليدي، بل كان ناقدًا للأخلاق البرجوازية التي رآها مجرد أداة في يد الطبقات الحاكمة لتبرير سيطرتها. عند ماركس، الأخلاق ليست شيئًا ثابتًا أو مطلقًا، بل هي انعكاس للبنية الاقتصادية والاجتماعية. ما يُعتبر "أخلاقيًا" في مجتمع ما، قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر، لأن الطبقة الحاكمة هي التي تُنتج القيم الأخلاقية بما يخدم مصالحها.
ففي المجتمعات الرأسمالية، مثلًا، تُعتبر الملكية الخاصة والعمل المأجور من المبادئ الأخلاقية العليا، لكن ماركس يرى أن هذه المبادئ تخدم استغلال العامل، وتحافظ على التفاوت الطبقي. ولذلك، فالأخلاق التي تسوّق لها الطبقات البرجوازية ليست سوى إيديولوجيا تُخفي مصالحها.
ماركس لا يُنكر أهمية الأخلاق، لكنه يرى أن أي أخلاق حقيقية يجب أن تقوم على العدالة الاجتماعية، والمساواة، وإنهاء استغلال الإنسان للإنسان. وبالتالي، فإن التغيير الأخلاقي لا يتحقق عبر تنظيرات مجردة كما عند كانت، بل من خلال تغيير الواقع المادي نفسه، أي بإسقاط النظام الرأسمالي وإقامة مجتمع شيوعي.
ثالثًا: نقاط الالتقاء والافتراق
رغم التناقض الظاهري بين الفيلسوفين، إلا أن هناك بعض النقاط المشتركة:
كلاهما يرى أن الإنسان كائن أخلاقي مسؤول، لكنهما يختلفان في مصدر هذه المسؤولية.
كلاهما ينتقد النفعية، التي تجعل الأخلاق تابعة للنتائج، لا للمبادئ.
لكن الفروق بينهما أعمق بكثير:
- كانت يرى أن الأخلاق ثابتة وعقلية ومطلقة، تنبع من العقل الفردي.
- ماركس يرى أن الأخلاق متغيرة وتاريخية، وتُبنى في إطار الصراع الطبقي.
- كانت يضع الحرية الفردية والواجب العقلي كأساس.
- ماركس يركز على التغيير الاجتماعي والاقتصادي كأساس لأي قيمة أخلاقية.
-عند كانت، الأخلاق فوق المجتمع.
-عند ماركس، الأخلاق ناتجة عن بنية المجتمع.
رابعًا: تقييم فلسفي
النموذج الكانتي يقدم منظومة أخلاقية متماسكة، صعبة التحقيق لكنها قوية المبدأ. يُعطي الإنسان قدرًا كبيرًا من الكرامة والاحترام، ويصلح كنموذج مثالي في عالم يسعى إلى العدالة. لكنه يتجاهل السياقات الاجتماعية والسياسية، ولا يقدّم حلولًا واقعية لمشكلات الظلم والاستغلال.
أما ماركس، فهو يُذكّرنا بأن الأخلاق ليست منعزلة عن الواقع، وأن التغيير الحقيقي لا يأتي من تنظير مجرد بل من فعل اجتماعي ثوري. لكنه، في المقابل، لا يقدّم منظومة أخلاقية واضحة المعالم، بل يضع الأخلاق في خدمة الصراع الطبقي، مما قد يبرر أحيانًا وسائل قاسية تحت ذريعة "التاريخ".
في النهاية، يمكن القول إن كانت يمثل أخلاق المبادئ، وماركس يمثل أخلاق الثورة. بينهما مسافة طويلة، لكن فهم هذه المسافة هو مفتاح لفهم كيف يتعامل الفكر البشري مع السؤال الأبدي: ما هو الصواب؟.
مصادر المقال:
- جون لويس، مدخل الى الفلسفة، منشورات دار الحقيقة بيروت ترجمة أنور عبد الله، ط الثانية لسنة 1973.
- إيمانويل كانت، نقد العقل العملي، تعريب وتقديم ناجي العلواني، دار جداول، الطبعة الأولى بيروت لسنة 2011.
- علي حسين، دعونا نتفلسف، منشورات دار أثر، السعودية الدمام، الطبعة الخاصة للعراق عن دار الكتب العلمية، بدون ذكر سنة الطبع.
- عالم صوفي، جوستاين غاردر، رواية حول تاريخ الفلسفة، دار المنى بدون ذكر تاريخ الطبع.
- مختصر تاريخ الفلسفة، نايجل واربرتون، ترجمة محمد مفضل، تقديم علي حسين، دار الكتب العلمية بغداد، الطبعة الأولى لسنة 2019.
- فلسفة كانت السياسية، د. السيد علي المحمودي، منشورات دار الهادي، بيروت الطبعة الأولى لسنة 2007.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحرب في الشرق الأوسط: نتانياهو بين الضغوط الداخلية والخارجي


.. باريس وبرلين تتخليان رسميا عن برنامج تطوير مشترك لطائرة مقات




.. ألبوم -LANDSCAPES OF ETERNITY-: رحلة موسيقية وروحية في أرجاء


.. سوريا: -نحن مهمشون بالكامل-.. المنسيون في مخيمات النزوح على




.. الذكاء الاصطناعي يصل للبورصة وول ستريت تستعد: OpenAI تدخل سب