الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الوعي والتفكير القمري: نحو فهم الوجود من خلال أنماط الإدراك الرمزية
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 6 / 22الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
"ما الوعي؟ قد يبدو هذا سؤالاً بسيطًا ، لكنه ليس كذلك" ، هذا هو السطر الأول من كتاب سوزان بلاكمور عن الوعي ، وفي الحقيقة لم أجد أصدق من هذه العبارة ، لبدء مقالي هذا ؛ حيث أن الوعي يمثل أعقد ما أنتجته التجربة البشرية ، فهو ليس مجرد إدراك حسي أو عقلي ، بل هو حضور داخلي يتقاطع مع معاني الوجود ، الزمان ، الموت ، والذات ، وفي مقابل العقل الشمسي الذي ينحو نحو التحليل ، التصنيف والوضوح ، يتشكل ما يُعرف بـ التفكير القمري ، ذلك التفكير الذي يمثل نمطًا رمزيًا عميقًا يحاكي دورات الطبيعة ، حيث يتغذى من الغموض ، ويعيد اكتشاف الوجود لا عبر التفسير ، بل عبر التجربة الكونية الداخلية ؛ حيث تتحرك الخبرات المدفونة ، في أعماق الذات الإنسانية ، لتعيد اثراء التجربة الوجودية ، وتزيد من إنسانيتها ... وهذا المقال ، هو محاولة لفهم العلاقة بين الوعي الإنساني والتفكير القمري كنموذج بديل ، أعمق وأكثر هدوءًا ، لمعالجة الأسئلة الكبرى للوجود.
في البدء :
الوعي هو ذلك الشعور الداخلي بـ "أنني موجود" ، و "أنني أعلم أنني موجود" ، وهذا من وجهة نظر فينومينولوجيه ، يعني أن كل وعي هو وعي بشيء ، حيث "الخبرة" لا يمكن أن يتعامل معها الشخص ، كـ مشكلةٍ يجب حلها بالطريقة النظرية أو العملية من خلال التفكير الحسابي ، وبينما لا توجد أداة أو برنامج لإرشادنا إلى انخراطٍ تأمُّلي أكثر مع ألغاز الحياة ، لكن لا تمثل هذه العملية الإنخراطية التأمُّلية ، مجرد إنسحاب إلى الغير منطقي أو الروحي ، بل بـ الأحرى ، هي مسألة اكتساب الوعي بمعالم الخبرات والإلتزام بمشاركة حقيقة العالم عبر الحديث والتواجد المكاني ، أو التواصل وما شابهه من أمور ، وعند مارتن هايدجر "الثعلب" نجد أن الوعي هو انفتاح الكائن على العالم ، وهو ما يتيح للدازاين (الإنسان الموجود هنا) أن يكون موجودًا زمانيًا ، مما يفتح أمامه الكثير من الإمكانات في الحياة.
و أرى أنا أن الوعي هو تجربة ، لا مفهوم مجرد ؛ لأن الوعي لا يُحدّ ، بل يُعاش ؛ حيث أنه لا يُصنّف في مختبرات الإدراك فقط ، بل يظهر دائماً في لحظات التأمل ، والشعور بالزمن ، القلق من الموت ، والسكون العميق حين يندلع حريق السؤال ، وينظر الإنسان ، إلى الجوهر ، والإمكان ، و اللحظة الجمالية أو الشّعرية ، وهذه اللحظات إن مثلت شيء فهي تمثل وتجسد جوهر التفكير القمري.
و إن قابلنا بين التفكير القمري والشمسي ، أنطولوجيًا ورمزيًا وجدنا أن أسلوب الإدراك يختلف ؛ حيث يكون الإدراك في الفكر الشمس ، مبني على التحليل المباشر للمعطيات ، بينما يكون أساس العملية الإدراكية في التفكير القمري ، مبني على رؤية المعطيات ، و الإهتمام بـ الحدس والرمزية ، أما العلاقة بالزمن فنجد أن التفكير الشمسي يشرق على فكرة ، أن الزمن خطي وتقدّمي ، بينما يكون في التفكير القمري دائري وتحويلي ؛ حيث قد تتحول من فكرة إلى أخرى ، مثل تحرك القمر في السماء ، على مدى الشهر القمري ، ويكون مركز الإهتمام في التفكير الشمسي ، هو الوضوح واليقين ، بينما يرتكز التفكير القمري على الغموض والتحوّل ؛ والزمن العقلي بالنسبة إلى التفكير الشمسي ، يتعامد على "الآن الظاهرة" ، بينما تكون زاوية الشروق بالنسبة إلى التفكير القمري ، هي اللحظة الباطنية التي تحتضن الإنفتاحات الوجودية.
أما بالنسبة إلى الوعي بالوجود ، فنجده في التفكير الشمسي خارجي وعقلاني النسق ، أما في التفكير القمري فنجده داخلي ، و تأملي يبحث في الجوانب اللامعقولة من المعقولية الفكرية.
والتفكير القمري ليس خرافيًا أو لا عقلانيًا ، بل هو بُعد وجودي من أبعاد الإدراك ، يقوم على احترام الرموز ، والانفتاح على الغموض ، واحتضان الحلم ، والقبول بالتغيّر.
ويمكننا النظر إلى القمر ، كـ مرآة للوعي.
حيث القمر لا يُضيء من ذاته ، بل يعكس.
ومثل القمر يكون الوعي القمري ، عاكسًا ما في العالم من أفكار وأشياء ، إلى الداخل ، ثم يُعيد تشكيلها في صورة معنى ، إنه الوعي الذي لا يريد السيطرة ، بل التشارك ، الذي لا يسعى إلى فهم الكون بالقياس والسيطرة ، بل بـ الإنصهار والتأمل.
والتفكير القمري يُقدّم نموذجاً للزمن بـ اعتباره تجربة داخلية ؛ حيث الليل لا يعني فقط غياب الشمس ، بل ظهور نمط آخر من الإدراك ، وهو وعي يرى الزمن لا كـ عدّ تنازلي ، بل كـ "أفق للتحول".
والقمر يُعلّم الإنسان أن كل شيء يتغيّر ، من الولادة حتى الكهولة إلى الموت ، كل هذه المراحل التي مر بها المعبود رع بالمناسبة ؛ والتفكير القمري يُدرك هذا التغيّر ، لكنه لا يراه تهديدًا ، جزءًا من الإنسجام الكوني ، ومن هذه النقطة نشأ فى الحضارات القديمة ربط القمر بالموت ، لا بوصفه نهاية ، بل كـ بوابة لعبور آخر.
لكن ، غالبًا ما ارتبط القمر في الثقافات الرمزية بـ الأنوثة ، بسبب علاقته بالدورة الشهرية ، الخصوبة ، والماء ، وهذه العلاقة ليست بيولوجية فقط ، بل رمزية ؛ حيث الأنوثة القمرية تعني القدرة على الإستقبال ، الإنفتاح ، و الإندماج مع الطبيعة ، و وجب التذكير بأن القمر في مصر القديمة كان مذكرًا (مع وجود معبود مؤنثة شريكة لـ معبود القمر) ، وتقابل الصفات القمرية الصفات الشمسية ؛ حيث الرغبة في الإنتشار ، والهيمنة ، والوضوح ، والتفكير القمري يحتضن الحلم بوصفه تلك القناة التي تربطنا بـ اللاوعي ؛ حيث تتجلى كل الأنماط العتيقة في التفكير ، و الكامنة في النفس ، كلها تتجلّى في الحلم ، و تؤكد أن الوعي ليس فقط ما نعرفه ، بل ما لا نعرفه بعد.
و الوعي القمري لا يهرب من القلق ، بل يحتضنه ، و يرى في القلق علامة على أن الإنسان كائن زماني ، فانٍ ، يبحث عن المعنى في لحظات السكون القمري ، عندما يكون المرء متأملاً ، أو ساهرًا ، أو حالمًا ، و تنشأ التساؤلات الكبرى : من أنا ، لماذا انا هنا؟ ، و ماذا بعد الموت؟
وفي بعض الحضارات يكون العقل الشمسي مفكرًا في الموت كـ قطع ، الذي يُعيد التفكير القمري تأويله كـ عبور ، وهذه الفكرة كانت محورية في الميثولوجيات القديمة ، و الوعي الصوفي ، لكن وجب الإشارة مرةً أخرى ، إلى أن النظرة إلى الموت كـ عبور هي نظرة قمرية في مصر القديمة ، بينما النظرة إليه كـ صعود هي نظرة شمسية ، قديمة قدم تاريخ مصر القديمة ، في فترة ما قبل وبداية الأسرات ، وبما أن القمر لا يموت بل يختفي ليعود ، فكذلك الإنسان - بحسب هذا التصور - لا يفنى ، بل يتحوّل ، مثل التحولات الخيميائية في فترة القرون الوسطى ، لكن بطريقة أكثر ديالكتيكيّة.
وبما أنني شخص محب للتجربة الجمالية ، فيمكنني رؤية الفنون الكبرى مثل الشعر ، الموسيقى ، الرسم ، والنحت ؛ كـ امتداد التفكير القمري ، حيث هي تمارين قمرية - وجودية على الحضور ، و هي تجلًّ مباشر للوعي القمري ؛ لأنها تحاول تجاوز اللغة المباشرة ، و تخاطب الحدس لا المنطق ، و تحاول تقديم المعنى في صورة شعور ، وفي التفكير القمري ، الجمال لا يكون في الضوء المباشر ، بل في الوميض ، و شبه الظلمة مع الغموض ، و في النقص ، و الوميض الخافت مثل نور النجوم الصغيرة ، و هذه المفاهيم تتقاطع مع أفكار شرقية ذات أهمية كبيرة ، نجدها مثلاً في التصوف الفارسي.
و إن التفكير القمري لا يُقصي العقل ، بل يكمله.
إنه نداء للبطء والتروي ، للتأمل ، للقبول بالغموض ، و العيش مع الزمن لا ضده.
في عالم يتسارع و يتفكك ، قد يكون التفكير القمري نوعًا من المقاومة الوجودية.
حيث تتواجد مقاومة للنسيان ، لـ السطحية ، و للإغتراب ، و إنه دعوة إلى أن نعيد إكتشاف وعينا لا كـ أداة ، بل كـ مرآة للكون...
المصادر :
- صـ ٧ ، الوعي: مقدمة قصيرة جدًّا ؛ تأليف: سوزان بلاكمور ، ترجمة: مصطفى محمد فؤاد ، نسخة رقمية صادرة عن مؤسسة هنداوي عام-٢٠١٥.
- صـ ١٠١ ، الظاهراتية ؛ تأليف: تشاد إنجلاند ، ترجمة: عبدالفتاح عبدالله ، مراجعة: مصطفى محمد فؤاد ، نسخة رقمية صادرة عن مؤسسة هنداوي عام-٢٠٢٤.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟
.. استهداف منشآت الطاقة يعمق التصعيد في حرب روسيا على أوكرانيا
.. العاشرة | اعتداءات إيرانية جديدة على دول المنطقة