الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قراءة ديالكتيكيّة للأحلام ، ونظرات أخرى
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 6 / 22الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
- هل الأحلام مع ام ضد الديالكتيك؟
إن هذا لسؤال جوهري ، يحمل في طياته توترًا فلسفيًا جوهريًا ؛ حيث قد تبدو الأحلام للوهلة الأولى غير عقلانية ، لا تاريخية ، غير منطقية ، ولا تستوعب الزمانية ، وكل هذا يبدو وكأنه ضد المنهج الديالكتيكي الذي يقوم على الصيرورة ، التناقض ، والتطور عبر نفي النفي ، لكن عند التأمل العميق ، سنكتشف أن الأحلام ليست ضد الديالكتيك ، لأنها تُجسَدُه بشكل خفي ، رمزي ، و غير مباشر ، وقبل أن أقوم بتفكيك عناصر هذا السؤال بدقة ، وجب الإشارة إلى أن الديالكتيك هو في الأصل فن الحوار ، لكن قام أفلاطون بـ إستخدامه على أنه المنهج الفلسفي الصحيح ، غير أن هذا الديالكتيك قد تحرك على مر تاريخ الفلسفة اليونانية ، حركةٍ تقهقرية بين البناء والهدم ، و الإقامة والتفكيك ؛ حيث نجد البناء عند أفلاطون ، والهدم (من أجل إعادة التأسيس) عند سقراط ، و يقول هيجل أن للمنطق من حيث الصورة ثلاث جوانب وهي :
أ- الجانب المجرد ، أو جانب الفهم.
ب- الجانب الجدلي ، أو الجانب السلبي للعقل.
ج- الجانب النظري ، أو الإيجابي للعقل.
وهذه الجوانب الثلاث لا تكوّن ثلاثة أقسام من المنطق ، و إنما هي مراحل لكل فكرة منطقية ترتدي ثوب الشمول ، ولكل حقيقة أيًا كانت ، و الجدل أو الديالكتيك (لشمول الكلمة الثانية في المعنى عن الاولى) عند هيجل ، يقوم بتفسير كل حركة وكل تغير سواء في العالم أو في فكرنا معًا ، وفي الجدل الماركسي نجد نفس قضايا الجدل الهيجلي ، لكن بثوب المادية الماركسية ، بدلاً من المثالية الهيجلية.
و أول الفقرات الديالكتيكية في الأحلام ، هي فقرة التناقض ؛ حيث العالم دائماً وأبدأ نجد فيه من الظواهر ، ما هو في حركة مستمرة وتغير لا ينقطع ، لأن سبب هذه الحركة هو التناقض الكامن في الأشياء ، و هذا يعني أن سبب تطور الأشياء لا يوجد خارجها ، لأنه يقبع في جوف هذه الأشياء ذاتها ؛ حيث الطبيعة المتناقضة هي خاصية ماهوية للأشياء ، ومن المعلوم أن كل ظاهرة تحوي في جوفها متناقضات في تصارع مستمر ، و هذا التصارع المستمر هو الذي يولد الحركة ويبعث التطور ، ويرى هيجل أنه يستحيل تصور أي شكل من أشكال الحركة بدون أضداده ، ونجد نفس هذه الفكرة في الجدل الماركسي ، لكن بـ صبغة مادية بالطبع ترتبط بـ ماركس ، و تأخذ أصلها من هيجل.
ومن ما سبق يتبين أن الديالكتيك يعتمد على الوعي بالتناقض ، حيث يستحيل وجود حركة بلا أضداد (أو رد فعل على الأقل*) ، أما الحلم فهو لا-واعٍ ؛ حيث الحلم يكون غير منتظم ، غير عقلاني ، و غير خاضع للزمان ، و الديالكتيك تاريخي ؛ بينما الأحلام شخصية ، عشوائية ، ولا تسير نحو هدف واضح ، وتكون النتيجة الظاهرة :
• الحلم = لا تاريخ + لا منطق + لا وعي
وهكذا يبدو الحلم كأنه خارج الديالكتيك ، أو حتى "ضده" ، صحيح؟
في الحقيقة لا ، لأن هذا نقد سطحي.
حيث أن الديالكتيك (عند هيجل ، ماركس ، وحتى فرويد بـ أعتبار تأويليته النفسية ديالكتيكية) لا يشترط أن تكون كل مظاهر التناقض واعية أو عقلانية ، بل العكس ، لأن الحركة التاريخية تتولد من تناقضات خفية ، تبدأ لا واعية ، رمزية ، ثم تتجلى في الواقع ، و بـ التالي فإن الحلم ليس خارج الديالكتيك ، بل هو شكل رمزي لإنعكاسة داخل الذات ، و يصعب وضعه داخل إطار معادلة إنسانية ، و هنا تساءلت ، كيف تخدم الأحلام المنهج الديالكتيكي؟
في الحقيقة ، يبدو أن الأحلام تُجسّد التناقض الداخلي ، حين يكون الحلم مُعبرًا عن الصراع بين الرغبة والواجب ، أو الأنا والهو ، الغريزة والأخلاق ، والفرد والمجتمع ، وهذه كلها تناقضات ديالكتيكية تظهر في سياق وجودي-منامي.
وقد يكون الحلم نفيًا للواقع ؛ حيث نجد في كثير من الأحيان ، أن الحلم ينفي واقع القهر أو الإغتراب ، و يتشكل هذا الأمر هكذا :
• حين يحلم N بـ الثروة ، فهذا يشير إلى واقع الفقر الذي يحيا فيه N.
• أو حين يحلم K بالطيران ، فإن هذا يشير إلى واقع القمع الذي يحياه K ، و بوتقة الضياع الوجودي ومحدودية الإمكانات.
• أو حين يحلم L باللقاء (بكل ما تحمله الكلمة من معاني في السياقات الإنسانية) ، فهذا يعني أن L يوجد قابعًا في وجود من الفقد ، و هذا يشير إلى بداية الوعي بـ الوجود وقضاياه.
وهذا النفي ليس هروبًا ، بل إشارة رمزية إلى "ما يجب أن يكون" ، وهذا ما يسميه هربرت ماركوز بـ "الخيال الراديكاليّ".
وقد يظهر الحلم كـ صيرورة داخلية ؛ حيث الحلم لا يقدم صورة ثابتة ، بل يتغير باستمرار ، و يحمل في سياقه بدايات ، ذروات ، نهايات ، و يقوم بتركيب المتناقضات ، و هذه هي بنية "الصيرورة الديالكتيكية" ، من الأطروحة ، إلى النفي ، إلى التركيب الجديد.
و وجب الإشارة إلى ديالكتيك الوعي و اللاوعي عبر الأحلام ؛ حيث نجد عند فرويد و يونج أن الحلم يمثل صراع بين مستويات مختلفة من النفس ، و يكون الديالكتيك موجودًا داخليًا بين الوعي و اللاوعي ، حين يحتوي الوعي على أفكار: السيطرة ، القيم ، الواقع.
بينما يحتوي اللاوعي على أفكار: الفوضى (المحدودة والغير محدودة) ، الرغبات ، الرموز ، لكن هذا التوتر يُنتج تكاملاً تدريجياً ، حين يفهم الإنسان ذاته من خلال أحلامه ، و هذا تحقق لـ "الديالكتيك النفسي" ، و الحلم بالنسبة إلى الإنسان ، هو كتاب بلا أبواب ، لأنه غير محدود وبلا قيود.
ويمكننا رؤية الأحلام كـ تمرين رمزي على الثورة ؛ حيث يمكننا فهم الأحلام ماركسيًا كـ نفي رمزي للنظام الطبقي ، للسلطة ، للمنظومة ، و الحلم العامل بالثورة أو التحرر هو تعبير خفي عن التناقض بين الواقع والرغبة التاريخية.
و من وجهة نظر فرانكفورتيّة ، يبدو أن الثقافة الجماهيرية تُشوه الحلم لتعيد إنتاج الهيمنة ، لكن حتى الأحلام المشوهة قد تحتوي على "بذور نفيها" ، تلك البذور النقية ، التي قد تحتوي على أنقى مفاهيم الحرية.
ومن كل هذا ، يبدو أننا نعرف إجابة سؤال "هل الأحلام مع ، ام ضد الديالكتيك؟" ، لأن الإجابة هي:
• إن الأحلام لا تسير وفق منطق الديالكتيك الواعي ، لكنها تجسد بنيته الرمزية.
• وهي لا تصنع التاريخ ، لكنها تشير إلى نفي الواقع ، و تلمّح إلى إمكانية المستقبل.
وهي ضد الديالكتيك ، إذا فُهمت كـ فوضى عبثية بلا صيرورة ، و هي مع الديالكتيك ، إذا فُهمت كـ مرآة رمزية لصراع الذات ، كـ نفي للواقع ، و كـ مختبر للممكن والإمكانات.
و يمكننا القول بأن الأحلام ليست برهانًا عقلانيًا ، لكنها كثافة رمزية لجدلية الذات مع العالم.
وهي ساحة تتصارع فيها القوى النفسية والإجتماعية والثقافية ، و هي ديالكتيك غير مكتمل ، لكنها جزء من صيرورة الوعي بالواقع ونفيه نحو إمكانٍ آخر.
• و ليس الحلم نقيضًا للواقع ، بل نفيه الرمزي ، ومختبر إمكانه.
- لكن ، ماذا عن قضية السلب والإيجاب في الأحلام ، ومحاولة قراءتها ديالكتيكيًا؟
إن المنهج الديالكتيكي مثلما سبق و أشرت ، لا ينظر إلى الظواهر كـ حالات ثابتة أو منقطعة ، بل كـ صراع حيوي مستمر بين المتضادات (مثل: السلب والإيجاب ، الوعي و اللاوعي ، الحرية والقيد) ، و هو ما نراه يتجلى بوضوح في "بنية الحلم".
وفي هذه القراءة ، سوف أقارب بين الأحلام ، من منظور ديالكتيكي ، خصوصاً بتأثير هيجل وماركس ، مع الرجوع إلى عظماء الفلسفة الوجودية ، المبتعدين عنها وعن صفة الفيلسوف!
و القراءة الديالكتيكية هي قراءة تستمد هدفها من الديالكتيك ، ذلك الديالكتيك الذي يُعنى بالصيرورة والتناقض ؛ حيث كل فكرة (بمعنى آخر: أطروحة) تحمل في طيّها نقيضها (النفي).
وهذا الصراع ينتج تركيبًا جديداً (نفي النفي) يتجاوز التناقض ، لكنه لا يُلغيه.
و بتطبيق هذا الأمر على الأحلام يتبين لنا:
• كيف أن الحلم ليس إيجابيًا ، أو سلبيًا بشكل مباشر.
• بل هو ساحة صراع رمزية بين القوى المتناقضة داخل الذات.
• و السلب و الإيجاب ، ليسا قيمًا أخلاقية ، بل حركية داخل الحلم.
و السلب في الحلم ، لا يمثل فقط الكابوس أو الخوف ، بل هو كل ما يمثل: النقص ، الرفض ، القيد ، التهديد ، الغربة ، القلق ، ومثال هذا في عالم الأحلام يتمحور حول: الموت ، الإنهيار ، الوحوش ، المطر الأسود أو الدموي...
أما الإيجاب ، فليس بالضرورة الراحة أو السعادة ، بل ما يُمثل: الرغبة ، التحرر ، الإنبثاق ، والامل ، و يتمثل هذا الأمر في الحلم رمزيًا ، مثل: الطيران ، النور ، الولادة ، و الاحتضان.
لكن ، الديالكتيك يعلمنا أن:
• الإيجاب قد يولد من السلب (التحرر بعد السقوط).
• والسلب قد يكون قناعًا للإيجاب (حيث الخوف يكشف عن رغبة عميقة).
وقد يكون الحلم ، حركة ديالكتيكيّة.
و هذا مثال توضيحي يكشف الأمر.
حيث يتضمن الحلم ، شخصًا يرى نفسه يسقط من جبل ثم يطير فجأة.
والتحليل الديالكتيكي هكذا:
- الأطروحة (الإيجاب) : صعود الجبل = السيطرة ، السمو ، والطموح.
- النفي (السلب) : السقوط = الفشل ، العجز ، والخوف.
- نفي النفي (التركيب) : الطيران = تجاوز السقوط بتحول رمزي ، ليس رجوعًا للسيطرة ، بل حرية جديدة نشأت من الفقد.
وهنا نرى أن "الإيجاب الحق لا يُولد إلا عبر تجربة السلب".
وهذه هي جدلية الذات في علاقاتها مع الوجود والمجهول ، و الحياة الواعية: تسعى للثبات ، الهوية ، التماسك.
و الحلم يكشف نفي هذا: التمزق ، التناقض ، الخوف ، والرغبة.
لكن الديالكتيك لا يُبقي هذه (الذات) في عزلة ، لأنه عبر الحلم ، يخترق اللاوعي الوعي ، ويكشف ما ينقصه ليكتمل ، و الحلم هو نفي الوعي الزائف ، و إمكان لتركيب وعي أعلى ، و الحلم يمكن أن يكون نفيًا للواقع القمعي (وهذا رأي ذو خلفية فرانكفورتيّة) ، و هو تعبير عن إرادة غير مدركة في التحرر من النظام الإجتماعي الرأسمالي.
إذا ، الحلم سلبي لأنه يبعدك عن الواقع ؛ لكنه إيجابي لأنه يريك "ما يجب أن يكون ، لا ما هو كائن".
وهنا أريد أن اخبرك/كي بأننا ، اطلعنا على جدلية الطوباوي والواقعي.
و السلب والإيجاب في رمزية الحلم ، يظهران في شكل مختلف ؛ حيث في السلب (النفي) ، يظهر الغرباء ، الأعداء ، و الموتى ، بينما في الإيجاب (التحقيق) ، نجد الأم ، الطفل ، و الصديق ، و المحبوب ، و الحالة النفسية في السلب ، تكون خوف ، عجز ، فقدان ، بينما في الإيجاب ، دهشة ، وضوح ، استعادة.
وكل عنصر سلبي في الحلم ، قد يحمل بذرة إيجابية ، و العكس ، و هذا جوهر التحركية الديالكتيكية.
ويمكننا استخدام الديالكتيك ، كوسيلة لفهم الذات الحلمية ؛ حيث إن الذات في الحلم ليست "أنا" موحدة ، بل تعددية.
الفاعل/المنفعل ، الرافض/الراغب ، الهارب/الساعي ، و الحلم هو صراع بين هذه الذوات ، و كل لحظة فيه تعبير عن "جدل داخلي" ، لا يحسم بسهولة ، و النفي في الحلم ليس عيبًا أو مرضًا ، بل "ضرورة-وجودية" لولادة ذات أكثر أصالة.
- والحلم ليس جوابًا ، بل سؤالاً متجددًا.
- و ليس هروبًا أو لحظة هروب ، بل مساحة تفجر الصراع الكامن في الذات.
- و ليس سلباً أو إيجاباً فقط ، بل حركة دائمة بينهما ، تسعى نحو تركيب أعمق للحقيقة الشخصية.
وهكذا فإن "قراءة الحلم ديالكتيكيّا" تكشف أنه "مرآة للصراع" ، لا مجرد انعكاس عابر.
والحلم هو نص داخلي ، ينبض بتناقضاتنا ، و يقترح في صمته ما لا نجرؤ على فعله في يقظتنا.
المصادر:
- صـ ٣١٠ ، المنهج الجدلي عند هيجل: دراسة لمنطق هيجل ؛ تأليف: إمام عبد الفتاح إمام ، المكتبة الهيجلية ٦ ، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ، الطبعة الثالثة عام-٢٠٠٧ ، بيروت.
- صـ ٢١١ ، موسوعة العلوم الفلسفية ؛ تأليف: هيجل ، ترجمة وتقديم وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام ، المكتبة الهيجلية ٦ ، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ، الطبعة الثالثة عام-٢٠٠٧ ، بيروت.
- صـ ١٦٢١٦٣ ، معجم مصطلحات هيجل ؛ بقلم: ميخائيل أنوود ، ترجمة وتقديم وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام ، المركز القومي للترجمة ، الطبعة الأولى عام-٢٠٠٠ ، القاهرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟
.. استهداف منشآت الطاقة يعمق التصعيد في حرب روسيا على أوكرانيا
.. العاشرة | اعتداءات إيرانية جديدة على دول المنطقة