الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدولة الإسلامية بوصفها دولة الوقت: نحو تخييل سياسي يتجاوز الخلافة والحداثة

حمدي سيد محمد محمود

2025 / 6 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


د حمدي سيد محمد محمود
حظيت فكرة "إسلامية الدولة" بمكانة محورية في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، لما تنطوي عليه من وعود خلاصية، واستدعاءات تاريخية، وتطلعات لمستقبل مغاير لما أنتجته النماذج السلطانية التقليدية أو الدولة القُطرية الحديثة التي نشأت في ظل الهيمنة الاستعمارية. وقد انكبّ المفكرون والباحثون على تحليل هذا المفهوم، في محاولة لردم الهوة بين الفكرة الإسلامية للدولة، ومتطلبات الحداثة السياسية من مؤسسات وحقوق ومواطنة.

ولم يكن النقاش حول "الدولة الإسلامية" سجينًا للحنين إلى الخلافة أو محكومًا بسلطة النصوص وحدها، بل انخرط في مراجعة نقدية لتاريخ السلطة في السياق الإسلامي، وسعى إلى إعادة صياغة المفاهيم السياسية الكبرى مثل البيعة والعدل والمعروف، بما يجعلها منفتحة على التحديث ومتصالحة مع الزمن السياسي المعاصر.

في هذا الإطار، تظهر فكرة "دولة الوقت" كبديل مفاهيمي وتاريخي، لا يُعيد إنتاج نماذج الغلبة باسم الدين، ولا يستنسخ أنماط الدول العلمانية المتصالحة مع الاستبداد، بل يسعى إلى استلهام جوهر المقاصد الإسلامية من عدل وكرامة وتكافؤ، ضمن مؤسسات تعاقدية وقيم مدنية، لا ترتهن للعصبية ولا تخضع لوصاية دينية أو أمنية.

الدولة الإسلامية، في هذا التصور، ليست امتدادًا للخلافة، ولا إعادة إنتاج لدولة الفقهاء، ولا دولة شرعية تفرض النصوص بالقوة، بل هي تعبير عن تفاعل حيّ بين مقاصد الشريعة وروح العصر. إن مفاهيم كالبيعة يمكن أن تتجدد بصيغة انتخابية تعاقدية، لا طقسية أو صوفية. والعدل لم يعد مجرد صفة للحاكم، بل أصبح بنية في النظام العام، وشرطًا جوهريًا للشرعية السياسية. والمعروف لم يعد مجرد أعراف اجتماعية، بل غدا مرجعية أخلاقية متجددة تتشكل من ضمير الجماعة وتراكم الخبرة الإنسانية.

هذا التحول لا يعيد إنتاج التاريخ، بل يعيد تخيّله. ولا يكتفي باستحضار "ما كان"، بل ينفتح على "ما يمكن أن يكون". فالدولة الإسلامية ليست جثة سياسية محنطة تُستحضر في لحظات الأزمة، بل هي أفق قيمي وتجريبي، يُمكن للأمة أن تبلوره في سياق الحرية، والمشاركة، وتداول السلطة، وتقديس الكرامة الإنسانية.

إن فكرة "دولة الوقت" تُحرّر المخيال الإسلامي من أسر الثنائية العقيمة بين الدولة السلطانية والدولة العلمانية، وتمنح المسلمين أداة نظرية وعملية لتأسيس نظام سياسي يجمع بين الشرعية القيمية والفاعلية المؤسسية. فهي لا تبحث عن النقاء الأيديولوجي، بل عن القدرة على التكيّف الخلّاق، والبقاء الأخلاقي، والبناء العقلاني في عالم متحول ومعقد.

إن الدولة الإسلامية، كما ينبغي أن تُفهم وتُبنى، ليست حنينًا إلى ماضٍ لن يعود، ولا انبهارًا بمستقبل يستنسخ تجارب غيرنا، بل هي مشروع تحرري أخلاقي، يعيد للأمة حقها في السيادة، وللإنسان مكانته في النظام، وللقيم الإسلامية قدرتها على التشكل التاريخي والمشاركة في صناعة المصير. إنها ليست دولة الطاعة العمياء، ولا دولة القمع المقدّس، بل دولة العدل الذي يُحرر، والحرية التي تُقوّم، والمعروف الذي يُبني به العمران، وتُصان به الكرامة. ومن هنا، فإنها ليست دولة الخلافة، ولا السلطنة، ولا الشريعة المجردة، بل دولة اللحظة، دولة الإنسان، دولة الوقت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المقابلة - هل تغير حرب إيران التحالفات في المنطقة؟


.. في الذكرى الرابعة لاغتيال شيرين أبو عاقلة.. لا نتائج مُعلنة




.. هل يمكن لثقل دول الخليج أن يمنع انزلاق الأمور نحو -اللا اتفا


.. الصحفي الفلسطيني علي سمودي: أمانة شيرين أبو عاقلة تدفعنا لمو




.. حاكم إقليم باجنكارا وسط مالي: الهجوم الذي استهدف الإقليم يهد