الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاسلام السياسي: صعود الايديولوجيا الدينية
داود السلمان
2025 / 6 / 23العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ارتبط الإسلام منذ بداياته الأولى بتنظيم شؤون الناس، دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا، فلم يكن مجرد عقيدة تُمارس داخل المساجد، بل كان أيضًا منظومة متكاملة تحكم العلاقات بين الأفراد، وتضع قواعد للمعاملات والحكم. وعبر التاريخ الإسلامي، كانت هناك دائمًا علاقة عضوية بين السلطة والدين، لكن هذه العلاقة شهدت تحولات كبيرة في العصر الحديث، خصوصًا مع انهيار الخلافة العثمانية وبروز الدول القومية الحديثة، حيث بدأت تظهر تساؤلات جادة حول موقع الإسلام في النظام السياسي المعاصر، وما إذا كان من الممكن أن يشكل أساسًا لدولة حديثة تستجيب لتحديات الواقع. من رحم هذه التحولات، برز ما بات يعرف بالإسلام السياسي، وهو اتجاه فكري وحركي يرى أن الإسلام يقدم حلولًا شاملة للمجتمع، وينبغي أن يكون مرجعًا أساسيًا في التشريع والسياسة، وليس فقط في الشأن الديني أو الأخلاقي.
المرحلة هذه مرت بها أوربا كذلك، حين كانت الكنيسة تحكم، وبيدها الحلّ والعقد، وكانت قد ضيقت الخناق على الفلاسفة، حتى أعدمت منهم ما أعدمت، وشردت منهم من شردت، إلى أن جاءت الثورة الفرنسية، ثم عمت أوربا برمتها، فتخلصت أوربا من حكم الكنيسة، فتنفس الفلاسفة والمفكرين الصعداء.
وأكثر إيضاحا، فقد شهد القرن العشرون صعودًا متناميًا لهذا التيار، خاصة بعد فشل المشاريع القومية والاشتراكية في تحقيق الاستقرار والتنمية، مما ولّد إحساسًا عامًا بالخيبة، دفع قطاعات واسعة من الشعوب إلى البحث عن بديل يستند إلى الهوية الإسلامية، ويعيد الاعتبار للقيم الدينية. ولم يكن صعود الإسلام السياسي مجرد ردة فعل على الفشل السياسي والاقتصادي، بل كان أيضًا انعكاسًا لحاجة نفسية وثقافية إلى استرجاع مكانة الدين في حياة الناس، بعد عقود من التهميش والإقصاء. هذا التيار لم يتخذ شكلًا واحدًا، بل تنوع بين جماعات إصلاحية تؤمن بالتدرج والمشاركة السياسية، وأخرى أكثر تشددًا ترفض النظام القائم وتدعو إلى تغييره الجذري، بل وحتى بالعنف في بعض الحالات. حتى شهدنا تطاحن وقتال بين المذاهب الاسلامية، بعضها بعضا، فضلا عن عداوتها للغرب وتكفيرهم، وزرع الفرقة بين المجتمعات الآمنة. ويُعدّ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر نقطة مفصلية في تاريخ الإسلام السياسي، إذ مثلت نموذجًا مبكرًا لحركة تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق تصور ديني، مستخدمة في ذلك أساليب دعوية واجتماعية وسياسية. وهكذا حول رجال الدين من عقيدة روحية، تربي الاجيال على الأخلاق، والقيم النبيلة إلى أُناس تتشبث بالقضايا السياسية، خالطة الدين بالسياسة، وعادة الدين سلطة روحية وسلطة سياسية، ضاربة تلك القيم النبيلة عرض الجدار.
ومع تطور الزمن، تفرعت عن التيار الإسلامي مدارس متعددة، منها من اكتفى بالدعوة والإرشاد، ومنها من خاض غمار السياسة، ومنها من اختار المواجهة المسلحة. وقد أثار هذا التنوع جدلًا واسعًا حول الأهداف الحقيقية لهذا التيار، وحول طبيعة العلاقة التي يقيمها مع الديمقراطية، والمواطنة، والدولة الوطنية الحديثة. ففي حين يرى البعض أن الإسلام السياسي قادر على التعايش مع النظام الديمقراطي شريطة احترامه لقواعد اللعبة السياسية، يعتبر آخرون أن هذا التيار يحمل في داخله نزعة سلطوية مقنعة، وأنه يوظف الديمقراطية فقط كوسيلة للوصول إلى الحكم، لا كقيمة يلتزم بها على المدى البعيد. هذه المخاوف لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى تجارب واقعية في بعض البلدان، حيث فشلت بعض الحركات الإسلامية في إدارة الحكم، أو اصطدمت بمؤسسات الدولة، أو مارست الإقصاء تجاه خصومها.
ومع اندلاع الثورات العربية بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وُضِع الإسلام السياسي في اختبار حقيقي. فقد وصلت بعض القوى الإسلامية إلى السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة، كما حدث في تونس ومصر، والعراق وايران؛ لكنها سرعان ما واجهت تحديات داخلية وخارجية، انتهت أحيانًا إلى الإطاحة بها، أو إجبارها على التراجع، أو إعادة النظر في خطابها وأولوياتها. وفي مقابل هذا التراجع، عادت الأنظمة السلطوية بقوة، مستفيدة من حالة الفوضى والخوف من الإسلاميين، لترسّخ من جديد أنماط الحكم التقليدية، وتقدّم نفسها كضمانة للاستقرار. هذا الواقع خلق حالة من التوتر داخل التيار الإسلامي نفسه، وفتح الباب أمام مراجعات فكرية عميقة في بعض أوساطه، خاصة تلك التي اقتنعت بأن الزمن لم يعد يسمح بطرح شعارات مثالية بعيدة عن الواقع، وأن المطلوب اليوم هو صياغة مشروع سياسي مدني قادر على التفاعل مع الدولة الحديثة، دون أن يفقد صلته بالجذور الإسلامية.
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن الإسلام السياسي، على الرغم من إخفاقاته، ظل يمثل تعبيرًا عن طموحات شرائح معينة من المجتمعات الإسلامية التي ترى في الدين عنصرًا أساسيًا في الهوية، ومرجعًا لا غنى عنه في الحياة العامة. لكن هؤلاء اعتبرهم البعض، وخصوصا المتنورين، أنهم مغلوب على أمرهم، بمعنى آخر أنهم بسطاء لا يدركون الحقيقة، أو الغاية من الدين؛ وربما من هذا المنطلق استغل رجال الدين الدين مطية لتحقيق مآربهم، واحلامهم الشخصية. لكن الإشكالية الكبرى تكمن في كيفية ترجمة هذا الانتماء الديني إلى مشروع سياسي عملي، يتسم بالواقعية والانفتاح، ويحترم التعددية والحقوق والحريات، ويبتعد عن منطق الوصاية واحتكار الحقيقة. هذه المهمة ليست سهلة، خاصة في ظل بيئة سياسية مضطربة، وصراعات إقليمية ودولية، ونزاعات فكرية داخلية لم تُحسم بعد. ومع ذلك، فإن المستقبل يظل مفتوحًا أمام التيارات الإسلامية التي تمتلك القدرة على التجديد والتأقلم، شريطة أن تعي أن الزمن قد تغيّر، وأن الشعوب لم تعد تقبل بالشعارات فقط، بل تطالب بالإنجازات والشفافية واحترام الكرامة الإنسانية.
إن الإسلام السياسي، بحكم طبيعته المتداخلة، ليس مجرد أيديولوجيا سياسية، بل هو أيضًا ظاهرة اجتماعية وثقافية، تعبّر عن صراع أعمق بين التقليد والحداثة، بين الدين والدولة، بين الهوية والانفتاح. ولا يمكن اختزال هذا التيار في نمط واحد أو تجربة واحدة، كما لا يصح التعامل معه من منطلق الإقصاء أو التخوين، بل من الضروري فهم جذوره، وتحليل خطابه، ومساءلة ممارساته، بطريقة نقدية وعقلانية، تتيح له إما التطور نحو صيغة أكثر توافقًا مع الدولة المدنية، أو الانحسار بفعل تناقضاته الداخلية. فالحسم لا يتم فقط عبر الصراع، بل أيضًا من خلال الحوار وتكافؤ الفرص، وفتح المجال أمام الأفكار لاختبار مصداقيتها في الميدان.
لكن مع الأسف ظهرت التيارات المتطرفة، المؤمنة بالعنف وأقصاء الآخر، بل مؤمنة بقتل وتكفيره، وهذه صفة سيئة ما كان الدين يدعو لها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. دار الإفتاء المصرية تعلن غدا غرة ذى الحجة ووقفة عرفات الثلاث
.. سرديات أونلاين | من الفاتيكان إلى يوروفيجن.. تصاعد عالمي للأ
.. 8- Perhaps Allah will bring them all back to me / Yusuf / 77
.. عاطف نجيب ينفي تورطه بأحداث المسجد العمري بدرعا
.. إيران تدرب متطوعين على حمل السلاح ضمن حملة للدفاع عن الجمهور