الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الفساد في العراق.. بنية مستدامة لا مجرد خلل طارئ

داود السلمان

2025 / 6 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


منذ أكثر من عقدين مضت، لم يعد الفساد في العراق مجرد مظهر من مظاهر الخلل الإداري، أو انحرافًا عن القانون يمكن معالجته عبر آليات رقابية تقليدية، وينتهي الأمر بل أصبح بنية متجذرة في جسد الدولة، بكل مؤسساتها، ممتدة في مفاصلها كافة، تشتبك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والدينية والعشائرية، بحيث بات يصعب الفصل بين ما هو "نظامي" وما هو "فاسد". إننا أمام حالة من التطبيع الكامل مع الفساد، لا بوصفه خللًا يجب إصلاحه، بل بوصفه الواقع ذاته الذي يجب التكيّف معه. لكن لا يلوح بالأفق ثمة اصلاح، طالما الفاسدون يتحركون بما يحلو لهم.
الفساد في العراق ليس وليد ما بعد 2003 فقط، لكنه منذ ذلك التاريخ تحوّل من ظاهرة محلية محدودة إلى نظام شامل لإنتاج السلطة وتقاسم الموارد. فتحت يافطة الديمقراطية، ديمقراطية عرجاء، ترسّخت منظومة محاصصاتية كرّست الفساد بوصفه شرطًا لتوازن القوى، لا عائقًا أمامها. الأحزاب التي تشكلت بعد التغيير دخلت مؤسسات الدولة لا لتبنيها، بل لتعيد تفكيكها إلى دوائر ولاء ومغانم. الوزارات وُزّعت كما توزّع الغنائم بعد حرب، كل حزب بما لديهم فرحون، والعقود صارت عملات سياسية، وصفقات مناصبية، والتوظيف تحوّل إلى وسيلة لشراء الأصوات لا لبناء جهاز إداري منتج.
لا يكفي أن نذكر أن العراق صُنّف في السنوات الأخيرة ضمن أكثر الدول العالمية فسادًا بحسب منظمة الشفافية الدولية، مما ذكرته العديد من التقارير العربية والعالمية، فهذا التصنيف بات بحد ذاته مكررًا ومألوفًا. الأخطر من ذلك أن الفساد في العراق اتخذ طابعًا ثقافيًا واجتماعيًا، بحيث أصبح جزءًا من الوعي العام، من الحياة اليومية، من طرق "تسيير الأمور". المواطن لا يتفاجأ حين يُطلب منه دفع رشوة في دائرة حكومية، ولا حين يرى مشرف مشروع وهمي ينال جائزة وطنية، بل بات كثيرون يعتبرون "الواسطة" و"المعرفة" و"اللف والدوران" أدوات طبيعية للنجاة في هذا النظام المختل. هكذا انتقلنا من "الفساد كجريمة" يحتاج لها رادع قويّ، إلى "الفساد كآلية بقاء"، ومن "الفاسد كاستثناء" إلى "النزيه كحالة نادرة" وثمة من يجبره على أخذ الرشوة، كي لا يكون شاهدا عليه، ومثل هذه الحالات كثيرة جدا، اصبح يدركها حتى المواطن البسيط؛ وعلى اعتباري اعمل صحفيا شاهدت حالات لا يصدقها الانسان النزيه، لفداحتها.
وما يفاقم المشكلة أن كل حديث عن الإصلاح يأتي من داخل البنية ذاتها التي تُنتج الفساد وتحميه. المؤسسات الرقابية، في الغالب، غير مستقلة، ولا تمتلك أدوات فعل حقيقية، والأجهزة الرقابية تخضع للضغوط السياسية، ومجالس النزاهة تُستخدم لتصفية الخصوم أو تلميع الصورة. الخطابات الرسمية عن مكافحة الفساد تحوّلت إلى جزء من المسرح السياسي، فيما تتضاعف الثروات المشبوهة، وتُهدَر الموازنات، وتُجهض كل محاولة للإصلاح الجذري.
الفساد في العراق ليس ماليًا فقط، بل ثقافي قبل كل شيء. في ظل غياب مشروع وطني جامع، أصبح الانتماء للحزب أو الطائفة أو العشيرة بديلاً عن الانتماء للدولة. الولاءات الجزئية تفوقت على القيم المؤسسية، وتحوّلت مفاهيم الخدمة العامة إلى وسائل للسيطرة على الجمهور، وشراء الولاءات، وتحقيق المنافع الشخصية. حتى التعليم، والإعلام، والدين، لم تسلم من هذه العدوى؛ فقد تمّت تسييسها وتفريغها من بعدها الأخلاقي، لتصبح أدوات في خدمة السلطة لا رقابتها.
علاوة على ذلك، الفساد أنتج أيضًا نوعًا من اللامبالاة العامة. المواطن العراقي، المُثقل يوميًا بانقطاع الكهرباء، وتراجع الخدمات، وتآكل التعليم، وضعف البنية الصحية، يعيش في دوامة من الإحباط والغضب الصامت. كثيرون فقدوا الثقة بإمكانية الإصلاح، وآخرون يبررون الفساد بوصفه "حتمية" لا يمكن الفكاك منها. حتى الاحتجاجات الشعبية، رغم قوتها الرمزية كما حدث في انتفاضة تشرين، سرعان ما يتم امتصاصها أو قمعها أو تشويهها.
إن أخطر ما في الفساد أنه يفرّغ الدولة من معناها، ويحولها إلى جهاز هشّ، يتظاهر بالعمل بينما هو مشلول، يتكلم بلغة القانون لكنه يمارس سلوك العصابات. وفي ظل غياب العدالة، تتحول كل القيم إلى أدوات للاستخدام المؤقت: الدين يُستغل للتهدئة أو التجييش، القانون يُفسّر حسب المزاج السياسي، والوطنية تُسخّر لحماية الفاسدين لا مساءلتهم.
وبالتالي، ما يحتاجه العراق ليس "حملة لمكافحة الفساد" توضع على اللافتات، بل إعادة تأسيس للدولة على أسس جديدة بالكامل: دولة يحكمها القانون لا الولاء، تستند إلى المواطنة لا المحاصصة، تحاسب ولا تتستّر، تعترف بالخلل لا تبرّره، وتؤمن بأن النهوض لا يتم باستيراد مشاريع شكلية، بل بإعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته. ولن يكون ذلك ممكنًا من دون إرادة سياسية حقيقية، ومجتمع مدني فاعل، وإعلام حر، ونظام محاسبي رادع، وأهم من ذلك: وعي شعبي يُدرك أن الفساد ليس قدَرًا، بل خيارًا ممنهجًا يجب فضحه ومقاومته باستمرار.
والمعلوم إن العراق بلد غني بالموارد، لكنه أفقر مما يجب لأن الفساد أكل كل شيء. وكل تأخير في اجتثاث هذه البنية لا يزيدها إلا رسوخًا. فهل نملك الجرأة على تفكيكها؟ أم أننا سنواصل الدوران في حلقة من الكلام والخسارة والندم؟
إذن كيف نفلسف الأمور؟
والحقيقة نحتاج إلى توضيح أكثر، على أن نفلسف الأمور، لعلنا نجد الحلّ الناجع. في دولٍ كثيرة، يُنظر إلى الفساد بوصفه انحرافًا طارئًا عن القواعد، ظاهرة تظهر وتُدان، ثم تُطوَّق وتُعالج، مهما بلغت من التأثير. أما في العراق، فالصورة مقلوبة بالكامل: الفساد ليس استثناء، بل هو القاعدة؛ لم يعد خرقًا للنظام، بل بات هو النظام ذاته، حتى أصبح من الصعب رسم حدود واضحة بين ما هو قانوني وما هو زبائني، وما هو مؤسسي وما هو فوضوي، وما هو خدمة عامة وما هو خدمة خاصة مغلّفة بالقانون.
هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بإرادة الأفراد، أو ضعف القانون، أو جشع السلطة، بل هو نتيجة تراكب طويل لعوامل سياسية واجتماعية وثقافية تعاضدت بعد العام 2003، لترسّخ نموذج حكم قائم على تقاسم الدولة لا إدارتها، وعلى المحاصصة لا الكفاءة، وعلى الولاء لا المهنية. فحين تُقسم الوزارات بين الكتل والأحزاب كحصص سياسية، تتحول كل وزارة إلى "إقطاعية"، وكل دائرة إلى مصدر تمويل، وكل منصب إلى سلعة تباع وتُشترى في سوق المنافع الحزبية؛ هذا هو الذي يجري اليوم في العراق، أمر يدركه القاصي والداني.
إن ما حدث فعليًا بعد التغيير السياسي في العراق ليس بناء دولة مدنية على أسس جديدة، بل تفكيك مؤسسات الدولة السابقة، ثم ملء الفراغ الناتج عنها بهياكل حزبية وطائفية وعشائرية، لا ترى في الدولة جهازًا عاماً يخدم الجميع، بل خزانًا للثروة والسلطة، يجب توزيعه حسب توازن القوى، لا وفق المصلحة العامة. ولذلك، أصبح من الطبيعي أن يختفي مفهوم "الوظيفة العامة" لصالح مفهوم "الغنيمة"، و"العقد الرسمي" لصالح "التمويل السياسي"، و"الخدمة" لصالح "التكليف الحزبي".
ومع الوقت، ترسّخت هذه القواعد في الوعي اليومي، فتحوّل الفساد إلى ما يُشبه العُرف المستقر: المواطن لا يُفاجأ بوجود الرشوة، بل يندهش إن اختفت. المسؤول الذي يُتّهم بالفساد، لا يُحاسَب بل يُنقل أو يُكافأ. والصفقات التي تُعقد، لا تُقرأ فيها بنود العقود، بل يُنظر إلى نسب الولاء، ومدى رضا مراكز القوة المختلفة عنها.
لقد أصبحت الدولة العراقية الحديثة بيئة خصبة لتناسل الفساد، لأنها بنيت، منذ لحظتها الأولى لسقوط النظام السابق، على أرضية رخوة:
دستور مُبهم في تفاصيله، نظام انتخابي يُنتج الزبائنية، غياب فعلي لمبدأ الفصل بين السلطات، وتدخل خارجي يُحرّك الداخل كأداة. في هذه البيئة، لا يمكن للرقابة أن تعمل، ولا للشفافية أن تتحقق، لأن الجميع متداخل مع الجميع، والجميع يملك شيئًا يخاف عليه.
وهكذا، تحوّل الفساد من مجرد "انحراف عن القانون"، لسرقة البلد بلا رادع، إلى ما هو أخطر: أسلوب حكم. تُمنح الامتيازات على أساس الصفقات، وتُبنى التحالفات على توزيع الوزارات، وتُدار الدولة ليس عبر برنامج حكومي، بل عبر تفاهمات غير معلنة على تقاسم الموارد وتقنين الفساد. لقد أصبح الفساد هو الغلاف الذي تُدار فيه الحياة السياسية، واللغة المشتركة بين الفرقاء، والصمغ الذي يربطهم حين تختلف بينهم كل المبادئ الأخرى.
وفي ظل هذا الواقع، يصعب الحديث عن "الإصلاح" مهما برز شخصا أو أكثر ممن أراد أن يصلح أو يبني قاعدة للإصلاح، لأنه غالبًا ما يُدار بالعقلية نفسها. من داخل المنظومة ذاتها، لا يُمكن تفكيك المنظومة. ولهذا، فإن كل محاولة لإصلاح الفساد من دون إعادة بناء نموذج الدولة – سياسياً وثقافياً وقيمياً – ستبقى محاولة تجميل لوجهٍ مشوّه لا إصلاحًا حقيقيًا لجسدٍ مريض.
وأخيرا، قد يسئل: ما هو الحل من وجهة نظرك؟؛ والحل هو التغيير الشامل لهذه المنظومة التي تدير دفة السلطة اليوم؛ بشرط أن يكون التغيير بيد الشعب، وبإرادة الشعب، لا من الخارج لنقع في الخطأ نفسه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيلون ماسك يخسر دعوى قضائية رفعها ضد شركة -أوبن إيه آي- في ا


.. موجات وبائية متكررة.. أين رصد فيروس إيبولا للمرة الأولى وكيف




.. الأكبر في تاريخ الجيش الليبي.. مناورات عسكرية بمشاركة 25 ألف


.. ما أبرز القواعد الأمريكية في القارة الأوروبية؟ وما سبب تواجد




.. المتحدث باسم الخارجية القطرية: دعم جهود الوساطة هو الأساس ال