الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
كتاب غسق الأفكار: رحلة في عوالم إميل سيوران الفلسفية
أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية
(Ahmed Zakrad)
2025 / 6 / 25
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في عالمٍ تُغمر فيه الأرفف بالكتب، وتتزاحم فيه الكلمات حتى تكاد تُغرق العقول، يعلو صوت إميل سيوران كصرخةٍ يائسة في صحراء الفكر، كأنها رغبة دفينة في تمزيق الحجب عن وجه الحقيقة المُغتصَبة، حين قال بمرارة: "لقد التهمنا مكتباتٍ بكل محتوياتها، لكننا لم نعثر إلا على ثلاثة كُتّاب أو أربعة يستحقّون أن نقرأهم ونعيد قراءتهم." ليست هذه العبارة مجرد سخرية من زخم المعرفة المعاصرة، بل هي إعلان تمرد وجودي، تعبيرٌ صادق عن الإحباط العميق الذي يسكن روح الفيلسوف حين يُدرك أن زبد القراءات لا يُنتج إلا فراغًا، وأن الأصالة الفكرية نادرة، كاللآلئ في قاع محيط مظلم. في نظر سيوران، الحكمة ليست ذلك النور الذي يبدّد الظلمات، بل هي ماءٌ مالح يزيد الظمأ، خاصة في تلك اللحظات الحرجة التي يسميها "غسق العقل"، حين يمتزج الضوء بالظلام، وينقلب الجواب إلى سؤال، ويتحوّل اليقين إلى شكّ يمشي على أطراف أصابعه.
في هذا المشهد المأزوم، يتحوّل الكتاب إلى شيء أبعد من كونه مجرّد وعاءٍ للمعرفة. عند سيوران، هو جسرٌ هشّ يعبر به القارئ من ضفاف اليقين الكسول إلى بحار الشك المضطرب. إنه أقرب إلى جزارٍ بارع يقتحم أروقة العقل بيدٍ من حديد، بينما يهمس في أذنك بكلماتٍ ناعمة، لا تجرح ظاهر الجلد، لكنها تخدش أعماق الروح. بحدة الساخر، ينتقد سيوران أولئك الذين "يُدرّسون بأقدام مبدعين لا يعلمون شيئًا". المفكرون المتقمّصون عباءة العبقرية دون جذورٍ حقيقية، هم، في نظره، صدى خافت لشيء لم يُخلق أصلًا. يفتقدون ذائقة مرارة السعادة وحلاوة الشقاء، فيعيشون في وهم العبقرية كمن يحلّق فوق هاوية، لا يرى عمقها ولا يسمع صدى سقوطه الوشيك.
وسط هذا التيه، يتساءل سيوران بسخرية حزينة تكاد تُخفي وراءها عاصفة قلق وجودي لا تهدأ: ما معنى الوجود الكامل؟ وما جدوى المعرفة؟ ليجيب بجُرحٍ نازف: "المقصود هو الاحتفاظ بظمإ للحياة عند ساعات الغسق." تلك اللحظات التي يتداخل فيها النور بالظلام ليست زمن ارتياح، بل لحظة ولادة الحقيقة العارية، حين يتجرّد العقل من زيفه ويُدرك هشاشته. يصبح الإنسان أشبه بمركبٍ صغير يسبح بين الملح والريح، يتأرجح بين يقين زائل وضياع لا نهاية له، حيث المعرفة لا تُروِي، بل تزيد العطش، والبحث لا يُفضي إلى نهاية، بل يُعمّق متاهة الأسئلة.
ولأن الإنسان، في جوهره، كائن يفرّ من ذاته كما يفرّ من الموت، يرى سيوران أن البلاهة هي التجذّر الأسمى، فهي الملاذ الأبله من عبء التفكير، حيث لا أحد أقلّ اضطهادًا من الأبله. بهذا التوصيف اللاذع، يمتدح السذاجة التي ترفض التعقيد وتلوذ بالغباء كمهربٍ من ثقل الوعي وجحيم الإدراك. أما الغيرة، تلك الشعلة التي تلتهم صاحبها قبل أن تلتهم الآخر، فهي عند سيوران فائضُ خيالٍ وعذابُ الحواس في مواجهة اللامرئي. إنها هوسٌ بما لا يُرى، ومطاردةٌ لأشباحٍ من صنع الذات، حيث لا خلاص ولا راحة، بل استنزافٌ روحيّ يُحوّل الإنسان إلى جنديٍّ في معركة ضد سرابٍ لا وجود له.
وحتى في تأمله لأحقر الكائنات، يُعيد سيوران للصرصور رمزيةً وجودية تقشعرّ لها الأبدان. الصرصور، ذلك المخلوق المثير للنفور في نظر الإنسان، يصبح رمزًا لهشاشة الكائن البشري، يُذكّرنا بأصولنا الأولى، بتلك الذات البدائية التي سبقت الإنسان المتحضّر، وكأن الحياة بأسرها معلّقة بخيطٍ رفيع، تتأرجح بين البقاء والفناء. وحين يُمعن في قسوته الفكرية، يُعلن بلا تردّد: "لا توجد كلمة تحت الشمس في مستوى الروح." اللغة، مهما بلغت فصاحتها، تبقى عاجزة عن احتواء تجاربنا الوجودية العميقة، ويظلّ الكاتب، مهما كتب، واقفًا وحيدًا أمام هاوية العدم، يرسم بالكلمات خريطةً لعالمٍ لا يُرَى ولا يُمسَك.
ولا يكتمل الهروب من هذا العبث إلا عبر الفن، وتحديدًا الموسيقى، التي يراها سيوران الملاذ الوحيد من فظاعة الواقع. فهي سحرٌ غامر، متعالٍ، يهرب من كونه غير موجود. إنها الملجأ المؤقّت من مواجهة الفراغ، اللغة التي تُترجم صمت الكينونة إلى ألحانٍ تُخدّر الوعي وتُخفّف من حدّة الإدراك القاتل. أما الموت، فلا يُجسّده سيوران كمجرد نهاية أو راحة، بل كامتداد لسهاد العقل، نوم أبديّ للوعي لا ينطفئ، كأنه إفلاس نهائيّ للروح، حيث ينكشف الفراغ في أقصى صوره، ويغدو العدم هو السيّد المطلق.
وحين نصل إلى نهاية رحلة سيوران الفكرية، لا نجد إجابة بقدر ما نجد سؤالًا يزداد احتدامًا، سؤالًا ينحت في ذاكرتنا جرحًا أبديًّا: كيف نعيش ونحن لا نملك سوى ظمأ المعرفة مرشدًا؟ إن "غسق الأفكار" ليس كتابًا يُقرأ بل تجربة تُعاش، نُقذف فيها إلى عمق التساؤل، حيث الرغبة في الفهم نارٌ لا تنطفئ، وحيث الاستثنائية الحقيقية ليست في الإجابات، بل في القدرة على مواجهة الغسق دون أن نُغمض أعيننا، ودون أن نستسلم لبلاهةٍ تُريح الفكر أو لهذيانٍ يُضلّل البصيرة.
وهكذا، تتردّد في الفراغ كلمات سيوران الأخيرة كأنها لحنٌ حزين يتلاشى في الأفق: "هل نستحق أن نُقرأ؟ أم أننا مجرد ظلالٍ تتراقص على جدران العدم؟" سؤال مفتوح على اتساع هاوية الوجود، بلا يقين، بلا ضوء، سوى وهج الفكرة حين تحتضر تحت سماء المعنى المفقود.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قتل على أساس عرقي ومقابر جماعية… ماذا فعل الجيش السوداني؟ |
.. استشهاد فلسطينيين بينهم أطفال في انهيار منازل وغرق خيام بفعل
.. تحقيق خاص للجزيرة يكشف خريطة الموت في الفاشر
.. اتفاق غزة.. خروقات إسرائيلية وتعثر لافت في العبور للمرحلة ال
.. غياب أي تحرك لإرغام إسرائيل على إدخال المساعدات لقطاع غزة..